بعد أن قاطعته القوى السياسية من الداخل.. قصفته الخارجية الأميركية
دعوة البرهان للحوار تُجهض في شهرها الأول

تقرير- صحيفة التنوير
دخلت دعوة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى إطلاق حوار سوداني شامل شهرها الأول وهي تواجه تحديات متصاعدة من الداخل والخارج، بعدما اصطدمت برفض وتحفظات واسعة من القوى السياسية والمدنية، قبل أن يأتي الموقف الأميركي ليضع أمامها شروطاً إضافية لمسار الحوار، في مقدمتها أن يكون «حقيقياً وشاملاً بقيادة مدنية».
وبينما طرح البرهان الحوار باعتباره مبادرة وطنية تستهدف جمع السودانيين على طاولة واحدة، تبدو المبادرة حتى الآن غير قادرة على تحقيق التوافق السياسي المطلوب، في ظل اعتراضات قوى مدنية وسياسية على توقيت الحوار، وبيئته، والجهة التي تقف خلفه، ومدى قدرته على إنتاج تسوية تنهي الحرب دون إعادة إنتاج الأزمة بأدوات سياسية جديدة.
رفض واسع من الداخل
منذ اللحظة الأولى لإعلان المبادرة، واجهت دعوة البرهان مواقف رافضة أو متحفظة من طيف واسع من القوى السياسية والمدنية السودانية.
وتتركز الاعتراضات حول إجراء حوار سياسي في ظل استمرار الحرب، وغياب وقف شامل للقتال، فضلاً عن مخاوف من أن يتحول الحوار إلى مسار سياسي تديره أو تؤثر في مخرجاته الأطراف صاحبة النفوذ العسكري.
وترى قوى مدنية أن الأولوية يجب أن تكون لوقف الحرب وتهيئة بيئة آمنة ومحايدة، قبل الانتقال إلى حوار سياسي شامل يمكن أن تشارك فيه القوى المدنية والمجتمعية دون ضغوط أو إملاءات.
كما أثارت تركيبة المشاركين المحتملين وأسئلة التمثيل والشرعية السياسية جدلاً واسعاً، في وقت لم تتمكن فيه المبادرة من الحصول على إجماع سياسي واضح يمكن أن يمنحها قوة دفع داخلية.
وبذلك، دخلت المبادرة شهرها الأول وهي تواجه معضلة أساسية تتمثل في كيف يمكن لحوار أن يفضي إلى توافق وطني إذا كانت القوى السياسية نفسها غير متفقة على الإطار الذي سيُعقد من خلاله؟
وقف الحرب اولا :
وترى قوى مدنية أن الأولوية يجب أن تكون لوقف الحرب وتهيئة بيئة آمنة ومحايدة، قبل الانتقال إلى حوار سياسي شامل يشارك فيه الفاعلون المدنيون والمجتمعيون دون ضغوط أو إملاءات.
كما أثارت تركيبة المشاركين المحتملين وأسئلة التمثيل والشرعية السياسية جدلاً واسعاً، في وقت لم تتمكن فيه المبادرة من بناء إجماع سياسي واضح يمنحها زخماً داخلياً.
واشنطن تدخل على خط الحوار:
وفي وقت كانت فيه المبادرة تكافح للحصول على قبول داخلي، جاءت الرسالة الأميركية لتضيف بعداً جديداً إلى الأزمة.
فقد أعلنت وزارة الخارجية الأميركية استعداد واشنطن للعمل مع شركائها لدعم حوار سوداني «حقيقي وشامل بقيادة مدنية»، مؤكدة أن العملية ينبغي أن تضم مختلف أصوات السودانيين، بما في ذلك النازحون داخل البلاد وخارجها، وأن يُتفق بين الأطراف على مكان انعقادها.
الموقف الأميركي لا يمثل رفضاً لمبدأ الحوار السوداني في حد ذاته، لكنه يضع شروطاً تتعارض مع أي تصور يجعل المؤسسة العسكرية صاحبة اليد العليا في تحديد مسار العملية السياسية أو أطرافها أو مخرجاتها.
وهنا تكمن أهمية الرسالة الأميركية؛ إذ إنها لا تناقش فقط ضرورة الحوار، وإنما تطرح سؤالاً أكثر حساسية: من يقود الحوار، ومن يملك حق تحديد مستقبله؟
مبادرة وطنية أم مسار سياسي متنافس؟
كان البرهان قد أعلن إطلاق حوار سوداني شامل بمبادرة وطنية، مؤكداً أن الدولة لن تتولى إدارة الحوار أو تحديد أطرافه أو أجندته أو مخرجاته.
كما أعلن رئيس الوزراء كامل إدريس أن الحوار السوداني-السوداني سينطلق قريباً، وأنه يستهدف الوصول إلى التعافي والمصالحة الوطنية والإعمار، وصولاً إلى انتخابات حرة ونزيهة.
لكن هذه التطمينات لم تبدد المخاوف لدى القوى السياسية والمدنية الرافضة للمبادرة، والتي ترى أن القضية لا تتعلق فقط بمن يدير الحوار، وإنما أيضاً بالظروف السياسية والأمنية التي يُعقد فيها، وبمدى استقلاله عن أطراف الحرب.
ومن هنا، يبدو أن الخلاف لا يدور حول شعار الحوار بقدر ما يدور حول شروطه، ومرجعيته، ومَن يحق له الجلوس إلى الطاولة، وما إذا كانت نتائجه ستقود إلى انتقال مدني حقيقي أم إلى إعادة ترتيب موازين القوى
تواجه مبادرة البرهان ضغوطاً متزامنة من اتجاهين.
ففي الداخل، تعترض أو تتحفظ قوى سياسية ومدنية عديدة على المبادرة بصيغتها الحالية، مطالبة بتهيئة شروط أكثر ملاءمة للحوار، وفي مقدمتها وقف الحرب وضمان مشاركة مدنية واسعة ومستقلة.
وفي الخارج، ترفع واشنطن سقف توقعاتها، معلنة دعمها لحوار تقوده قوى مدنية ويشارك فيه مختلف السودانيين، مع تحميل القوات المسلحة وقوات الدعم السريع مسؤولية الالتزام بالهدنة وتنفيذها.
وبذلك، لم تعد المبادرة تواجه مجرد اعتراضات داخلية، بل باتت أمام اختبار دولي إضافي يتعلق بمدى توافقها مع الرؤية الأميركية للعملية السياسية في السودان.
هل تستطيع المبادرة تجاوز عثرتها الأولى؟
رغم صعوبة القول إن مبادرة البرهان قد سقطت نهائياً، فإنها تواجه منذ شهرها الأول تحديات كبيرة قد تحد من قدرتها على التحول إلى منصة سياسية جامعة.
فالنجاح لن يتوقف على عقد جلسات الحوار، وإنما على القدرة على إقناع القوى السياسية والمدنية بأنه ليس امتداداً للصراع العسكري بوسائل سياسية، وأنه قادر على استيعاب مختلف مكونات المجتمع السوداني، وأن مخرجاته لن تكون مفروضة سلفاً.
وفي المقابل، فإن أي مسار تدعمه واشنطن لن يكون بمنأى عن اختبار القبول السوداني الداخلي، إذ إن فرض أي صيغة من الخارج لن يكون كافياً وحده لإنتاج سلام مستدام.
لذلك، تبدو الساحة السودانية أمام سباق بين مبادرة وطنية تبحث عن شرعية سياسية، ورؤية دولية تضغط باتجاه حوار مدني واسع، فيما تبقى الحرب هي العامل الأكثر تأثيراً في تحديد فرص نجاح أي منهما.
وبينما تتواصل المعارك منذ أبريل 2023، يظل السؤال الأكبر معلقاً: هل يستطيع السودانيون إنتاج حوار تتوافق عليه القوى المدنية والعسكرية والمجتمعية، أم أن تعدد المبادرات سيضيف فصلاً جديداً إلى أزمة سياسية أنهكت البلاد؟




