
سمية النور دهب ،، دبلن
لا تعاني القوى المدنية السودانية من أزمة أخلاقية، بل من أزمة قدرة. فمنذ اندلاع الحرب، استطاعت أن تحافظ على خطاب يرفض العنف ويطالب بالحكم المدني واستعادة الدولة، لكنها أخفقت في تحويل هذا الخطاب إلى قوة سياسية قادرة على التأثير في مسار الأحداث. لقد امتلكت شرعية الموقف، لكنها لم تمتلك أدوات الفعل، وهو فارق جوهري في عالم السياسة.
ففي السياسة، لا يكفي أن تكون على حق، بل يجب أن تكون قادراً على فرض حضورك في معادلة القوة. والقوى المدنية، رغم تعدد مبادراتها ووثائقها واجتماعاتها، ما زالت بعيدة عن امتلاك مركز قرار موحد، أو قيادة ملزمة، أو قاعدة اجتماعية منظمة تستطيع الدفاع عن مشروعها وتحويله إلى قوة ضغط حقيقية.
لقد أصبحت هذه القوى أكثر قدرة على إنتاج البيانات من إنتاج القرار، وأكثر نجاحاً في توصيف الأزمة من التأثير في موازينها. فكلما واجهت خلافاً، لجأت إلى تأجيله أو إعادة صياغته، حتى تحولت الوثائق إلى بديل عن الحسم، وأصبحت الاجتماعات غاية في ذاتها بدلاً من أن تكون وسيلة لبناء مشروع سياسي قادر على المنافسة.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن القوى المدنية لم تحسم بعد سؤالاً مصيرياً: هل تريد أن تكون منصة أخلاقية تراقب المشهد من الخارج، أم مشروعاً سياسياً يسعى إلى قيادة الدولة؟ فالفرق بين الدورين هائل. الأول يكتفي بإدانة الجميع، أما الثاني فيتطلب اتخاذ قرارات صعبة، وترتيب الأولويات، وإدارة الخلافات، وتحمل المسؤولية أمام المجتمع.
كما أن ضعف تأثيرها لا يرتبط فقط بانقساماتها الداخلية، وإنما أيضاً بضيق قاعدتها الاجتماعية. فمعظم نشاطها ظل محصوراً في النخب السياسية والمؤتمرات الخارجية، بينما بقي حضورها محدوداً داخل المجتمعات التي تعيش الحرب يومياً. ولذلك لم تستطع أن تبني كتلة شعبية منظمة تمنحها ثقلاً يعوض افتقارها إلى أدوات القوة الأخرى.
ومن دون هذا الامتداد المجتمعي، تبدو القوى المدنية وكأنها تتحدث باسم المجتمع أكثر مما تتحدث معه. فهي تمتلك لغة سياسية متقدمة، لكنها لا تمتلك التنظيم الذي يحول هذه اللغة إلى نفوذ، ولا المؤسسات التي تجعل قراراتها ملزمة، ولا القدرة على تحويل الإجماع الأخلاقي إلى مشروع حكم.
ويزداد هذا الضعف وضوحاً كلما دخلت العملية السياسية مرحلة تتطلب قرارات حاسمة. فعندها تظهر الخلافات حول طبيعة الدولة، وشكل الانتقال، ومعايير المشاركة، وآليات اتخاذ القرار. وما كان يبدو توافقاً عاماً يتحول سريعاً إلى تباينات عميقة، لأن البناء التنظيمي الذي يدير هذه الاختلافات ما زال هشاً وغير قادر على إنتاج موقف موحد.
إن الأزمة الحقيقية للقوى المدنية ليست أنها لا تملك رؤية، بل أنها لا تملك القوة التي تجعل هذه الرؤية مؤثرة في الواقع. فالسياسة ليست منافسة بين الأفكار وحدها، وإنما أيضاً بين التنظيم والقدرة والشرعية والفاعلية. ومن دون قيادة موحدة، وقواعد قرار واضحة، وقاعدة اجتماعية واسعة، سيظل تأثير هذه القوى محدوداً مهما بلغت جودة خطابها.
ولهذا، فإن التحدي الأكبر أمام القوى المدنية اليوم ليس إصدار وثيقة جديدة أو عقد اجتماع جديد، وإنما بناء نفسها كفاعل سياسي حقيقي. فالدول لا تبنيها النوايا الحسنة وحدها، ولا البيانات الختامية، وإنما تبنيها القوى القادرة على تحويل الأفكار إلى مؤسسات، والتوافق إلى قرار، والشرعية الأخلاقية إلى شرعية سياسية تستند إلى التنظيم والجمهور والقدرة على الفعل. وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل القوى المدنية صاحبة الموقف الأكثر قبولاً أخلاقياً، لكنها ستبقى أيضاً الطرف الأقل تأثيراً في رسم مستقبل السودان.




