
عماد جدو
لم تعد الأزمة السودانية مجرد حرب تدور رحاها في الميدان، بل أصبحت معركة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية بأكملها. وأكبر خطأ يمكن أن تقع فيه النخب السياسية والقوى الإقليمية والدولية هو القفز فوق الواقع الجديد أو التعامل مع السودان بعقلية ما قبل الخامس عشر من أبريل 2023. فالتاريخ لا يعود إلى الوراء، والسياسة لا تعترف بالأمنيات، بل بموازين القوى والوقائع التي تفرض نفسها على الأرض.
لقد أثبتت التجربة السودانية منذ الاستقلال أن التسرع في إنتاج الحلول، ومحاولة إعادة تدوير النخب ذاتها، كانا من أهم أسباب الفشل الوطني. واليوم، وبعد الحرب، تتشكل الساحة السياسية السودانية وفق معادلات مختلفة تمامًا، ولم يعد المشهد محصورًا في الأحزاب التقليدية التي احتكرت المجال السياسي لعقود.
في تقديرنا، تتبلور اليوم ثلاثة تحالفات رئيسية ستكون صاحبة التأثير الأكبر في مستقبل السودان السياسي.
التحالف الأول هو تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)، وهو التحالف الوحيد الذي انتقل من مرحلة الشعارات إلى مرحلة بناء المؤسسات. فقد تشكل على أساس الاتفاق حول قضايا الحد الأدنى والحد الأعلى المتعلقة بكيفية الحكم وإعادة تأسيس الدولة، ثم بدأ في إنشاء هياكل وسلطات تنفيذية تمارس مهامها على أرض الواقع. ومع استكمال تشكيل حكومة السلام الانتقالية وتعيين وزراء للزراعة والغابات، والتجارة، والاستثمار، والاتصالات والتحول الرقمي، والعمل والموارد البشرية، والشباب والرياضة، انتقل المشروع من مرحلة الرؤية السياسية إلى مرحلة الممارسة المؤسسية. ومن وجهة نظر مؤيديه، فإن ذلك يمثل أول محاولة عملية لبناء نموذج حكم يعكس التوازنات السكانية والسياسية الحقيقية، ويمنح أقاليم الهامش دورًا في صناعة القرار بعد عقود من هيمنة المركز.
أما التحالف الثاني فهو تحالف صمود، الذي لا يزال في مرحلة التكوين الفكري والسياسي. ورغم امتلاكه شخصيات وخبرات سياسية، إلا أن مشروعه لم يتحول بعد إلى أدوات تنفيذية أو مؤسسات قادرة على تطبيق رؤيته. وقد انعكس ذلك على طبيعة خطابه الذي ما زال، في نظر كثيرين، أكثر تحفظًا وأقل جرأة في تقديم حلول عملية للأزمة السودانية.
وينطبق الأمر ذاته على التحالف الثالث، وهو تحالف الجزريين، الذي ما زال يبحث عن هويته السياسية والتنظيمية ولم ينجح حتى الآن في تقديم مشروع متكامل يمكن أن ينافس التحالفات الأخرى على قيادة المرحلة المقبلة.
لكن الحقيقة الأكثر أهمية أن السودان دخل مرحلة جديدة انتهى فيها عمليًا زمن الأغلبية الحزبية الكاسحة. فلا حزب الأمة، ولا الأحزاب الاتحادية، ولا أحزاب اليسار، ولا الأحزاب القومية العربية، ولا حتى حركات الكفاح المسلح، أصبحت قادرة على الانفراد بحكم السودان أو فرض مشروعها منفردة. لقد أفرزت الحرب واقعًا سياسيًا جديدًا يقوم على التحالفات الواسعة لا على الهيمنة الحزبية الضيقة.
ولذلك ليس من المستغرب أن نجد عضوية الحزب الواحد اليوم موزعة بين هذه التحالفات المختلفة، وأن تنشأ اصطفافات سياسية جديدة تتجاوز الانتماءات التنظيمية التقليدية. إنها إعادة تشكيل للحياة السياسية السودانية وفق المصالح والرؤى الجديدة، لا وفق الإرث التاريخي للأحزاب.
وللمرة الأولى منذ الاستقلال، تشعر قطاعات واسعة من شعوب الهامش بأنها استطاعت بناء هياكل سلطة ترى فيها تمثيلًا سياسيًا يعكس وزنها الديموغرافي وتطلعاتها إلى العدالة والمواطنة المتساوية. وهذه حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها، سواء اتفق معها البعض أو اختلفوا حولها.
ومن هنا، فإن استمرار المجتمعين الإقليمي والدولي في حصر تعاملهما بسلطة الأمر الواقع في بورتسودان وحدها لا ينسجم، من وجهة نظرنا، مع التحولات التي يشهدها السودان. فالواقع السياسي أصبح أكثر تعقيدًا، وبرزت قوى تمتلك مؤسسات وهياكل حكم وتسيطر على مساحات واسعة من البلاد، الأمر الذي يستدعي قراءة أكثر واقعية للمشهد إذا كان الهدف هو الوصول إلى سلام مستدام.
إن المطلوب ليس الانحياز لطرف دون آخر، وإنما الاعتراف بأن السودان لم يعد دولة ذات مركز سياسي واحد، وأن أي عملية سلام جادة ينبغي أن تستوعب جميع القوى الفاعلة والمؤثرة، وأن تؤسس لمعادلة جديدة تقوم على الشراكة الحقيقية والتمثيل المتوازن، لا على إعادة إنتاج احتكار السلطة الذي لازم الدولة السودانية منذ عام 1956.
لقد فرضت الحرب واقعًا سياسيًا جديدًا، ومن يصر على إدارة السودان بأدوات الماضي سيصطدم بحقائق الحاضر. أما المستقبل، فلن يكون ملكًا لحزب واحد، ولا لنخبة واحدة، بل سيكون نتاج تحالفات واسعة قادرة على إدارة التنوع السوداني وصياغة عقد سياسي جديد يؤسس لدولة العدالة والمواطنة المتساوية. والسؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع اليوم ليس: من يحكم السودان؟ بل: كيف يُحكم السودان بطريقة تمنع تكرار مآسي الماضي وتفتح الطريق أمام دولة تتسع لجميع أبنائها.




