
فيصل أبكر شرف
تتطلب القراءة الفاحصة للمشهد السوداني الراهن تجاوزا حتميا للشعارات البراقة والنفاذ مباشرة إلى عمق الفلسفة السياسية التي تحرك المشاريع المطروحة إن الصراع الدائر اليوم ليس مجرد خلاف حول نصوص دستورية أو تباين في وجهات النظر الإدارية بل هو صراع وجودي بين تطلعات حقيقية لبناء وطن يسع الجميع وبين محاولات مستميتة لإعادة إنتاج أنماط الهيمنة القديمة تحت مسميات جديدة
عند فحص ما يسمى ميثاق بورسودان نجد أنفسنا أمام طرح لا يقدم مشروعا حقيقيا لبناء مؤسسات وطنية بل هو في جوهره تكريس صريح لحالة اللادولة وتقنين موضوعي للفوضى إن المتأمل في العمق التاريخي لهذا التيار يدرك أن فكرة الدولة المؤسسية العادلة غابت تاريخيا عن أدبياته وممارساته فلم تكن هنالك دولة حقيقية بالمعنى المتعارف عليه بل كانت الساحة تدار لصالح امتيازات تاريخية فئوية ضيقة
هذه الامتيازات التي حرم منها سواد الشعب السوداني صنعت وحميت تاريخيا عبر آليات إقصائية واضحة أولها الاستناد إلى قوة السلاح كأداة وحيدة لفرض الأمر الواقع وإخضاع الآخرين وثانيها ذهنية الأنفة والاستعلاء التي ترفض الاعتراف بالآخر كشريك أصيل في الوطن وثالثها الخديعة السياسية والمناورات الالتفافية التي تتقن تزييف الوعي وصناعة واجهات دستورية زائفة لا تخدم سوى استمرار السيطرة وحماية مكتسبات القلة على حساب الأغلبية إن الارتكاز على ميثاق ينطلق من هذا الإرث يمثل قفزة في فراغ الفوضى ومحاولة لإدامة التيه الوطني
وفي المقابل يبرز ميثاق الدولة في نيالا كأطروحة جديدة ولدت من رحم المعاناة ورد الفعل البنيوي على سياسات الإقصاء الحاد لقد تأسس هذا الميثاق بناء على واقعية فرضتها سلوكيات سلطة بورسودان التي عمدت إلى حرمان أبناء دارفور والمناطق الخاضعة لسيطرتها من أبسط الحقوق المواطنية والوجودية وفي مقدمتها الأوراق الثبوتية ومناحي الحياة الأساسية ومع هذا الدافع الاحتجاجي والظرف التأسيسي الجديد لم يقع الميثاق في فخ العشوائية بل طرح نفسه كأطروحة متكاملة تتطلع نحو الدولة الحديثة القائمة على الاستمرارية الهيكلية والواقعية السياسية وهو ما يمثل صمام أمان يحمي المجتمع من التحلل الكامل والوقوع في شرك الفوضى المطلقة التي يكرسها الطرف الآخر
ولكن لكي نلتزم بالصدق الفكري والصرامة المنهجية فإن هذه التطلعات الحديثة لنموذج نيالا لا يجب أن تعفي شخوصها من النقد والمساءلة الصارمة إن الإشكالية الكبرى لا تكمن في البناء التنظيمي أو في عدالة المنطلق بل في العنصر البشري والقائمين على هذا الأمر حيث تبرز في المشهد وجوه ونخب مجربة أصلا أثبتت التجربة أن بعضهم غير مناسبين على الإطلاق لمتطلبات هذه المرحلة الحساسة والاستثنائية إننا أمام شخصيات خبرنا تذبذبها الإداري وعثراتها التاريخية وهي شخصيات تدرك في قرارة أنفسهم حجم الحساسية السياسية والوطنية التي تحيط بأدائها ومواقفها الرمادية
ومن هنا نرسل إشارة بالغة الوضوح لمن يعنيهم الأمر إن استمرار هذا العجز التنفيذي وعدم الإسراع في تصحيح المسار وإقصاء العناصر غير المؤهلة سيفرض علينا في مقالاتنا القادمة الانتقال من التقييم البنيوي العام إلى التفكيك المباشر لن نتردد حينها في استخدام مخزوننا المعرفي والتحليلي الواسع الذي نملكه عن تفاصيل أدائهم وخبايا مواقفهم لنفكك فكرهم ونكشف عثراتهم بالحقائق والوقائع دون مواربة إعلاء لمصلحة الوطن وإخلاء للمساحات لمن يستحقها
إن فرز المواقف اليوم لم يعد ترفا فكريا فبين مشروع يسعى لتكريس اللادولة والفوضى لحماية امتيازات تاريخية بقوة السلاح والخديعة والصلف وبين مشروع مؤسسي يتطلع للدولة الحديثة لكنه يحتاج إلى ثورة تصحيحية جذرية في شخوصه وأدائه التنفيذي تتحدد ملامح الطريق نحو المستقبل ولن يكون هناك ممر آمن نحو سودان جديد يتجاوز هذه الأزمات إلا بمواجهة شجاعة وعميقة تعيد صياغة المعادلة السياسية برمتها وتضع حدا لعهود المساومات المبتورة




