رأي

مفوضية الهوية والتاريخ : العقد الاجتماعي !!!

الكجنكي يكتب ،،،نحو أفق جديد

 

الكجنكي يكتب ،،،نحو أفق جديد

كيف يبني السودانيون عقداً اجتماعياً يؤسس للمستقبل؟

يمر السودان اليوم بمنعطف تاريخي هو الأخطر في تاريخه الحديث. فالحرب الحالية ليست مجرد صراع عسكري بين طرفين، بل هي انعكاس لانفجار (اللاعقد الاجتماعي)الذي عاشت فيه البلاد لعقود….

إذ لطالما كان السودان دولة بلا (عقد اجتماعي) حقيقي يحظى بإجماع شعبي، بل كانت هناك صفقات نخب التراضي التي تُقصي الأغلبية وتُركّز السلطة والثروة.

الحديث عن عقد اجتماعي جديد ليس ترفاً فكرياً، بل هو مسألة حياة أو موت للشعب السوداني.

ما هو العقد الاجتماعي الجديد الذي يحتاجه السودان؟

العقد الاجتماعي بمفهومه الفلسفي (منذ روسو وجون لوك) هو اتفاق طوعي بين أفراد المجتمع، يتنازلون فيه عن جزء من حرياتهم المطلقة لصالح سلطة مركزية (الدولة)، مقابل أن تضمن لهم هذه السلطة الأمن، والعدالة، والرفاهية، وتكافؤ الفرص….

في ما نعيشه اليوم والحال الماثل أمامنا يحتاج هذا العقد إلى إعادة صياغة جذرية تقوم على ثلاثة ركائز!!

أن تكون “السودانوية” هي المعيار الوحيد للحقوق والواجبات، بعيداً عن الدين، أو العرق، أو القبيلة، أو المنطقة الجغرافية…

إنهاء الهيمنة التاريخية للمركز (الخرطوم) على حساب الأطراف (الهامش)، وإعادة توزيع الثروة والسلطة بشكل عادل….

إبعاد المؤسسة العسكرية والأمنية تماماً عن السياسة والاقتصاد، وتأسيس جيش وطني واحد ومهني يحمي الدستور لا الحكام…

الجدلية الكبرى….

هل نبدأ بالقانون والدستور أم بالسردية الوطنية؟

هل تنجح العملية بالقوانين أم نحتاج لسردية تاريخية؟

الدستور والقوانين هي الهيكل العظمي للدولة، أما السردية الوطنية فهي الروح والدم اللذان يمنحان هذا الهيكل الحياة. أحدهما لا يغني عن الآخر، والبدء بأحدهما مع إهمال الثاني هو وصفة للفشل الذريع.،

شهد السودان منذ الاستقلال عشرات الدساتير (المؤقتة، والدائمة، والتعديلات، والوثائق الدستورية وكان آخرها وثيقة 2019). ومع ذلك، انهارت كلها عند أول اختبار. لماذا؟

القوانين لا تحمي نفسها بل تحميها إرادة المجتمع المؤمن بها. إذا كان الدستور نتاج صفقة بين نخب سياسية وعسكرية في غرف مغلقة، فلن يشعر المواطن في دارفور، أو كردفان، أو الشرق، أو الشمال بأنه يمثله.

والقانون الذي لا يستند إلى قيم مشتركة ومقبولة شعبياً يتحول إلى أداة قمع بيد من يملك القوة (السلاح).

قوة السردية التاريخية والوطنية (لماذا هي ضرورية؟)

السردية الوطنية هي القصة المنسجمة التي يرويها الشعب عن نفسه: من نحن؟ من أين أتينا؟ وما الذي يجمعنا؟

تاريخياً، فشل السودان في بناء سردية موحدة. تم فرض سردية أحادية (عربية/إسلامية إقصائية في بعض الفترات)، مما ولد ردود فعل مضادة وسرديات جهوية وقبلية متصارعة…

التصالح مع التنوع: السودان بحاجة إلى سردية تعترف بأن التنوع العرقي والثقافي والديني هو مصدر قوة وليس مهدداً للأمن القومي….

السردية الجديدة،،، يجب ألا تغفل المظالم التاريخية (الحروب الأهلية، الإبادات، التهميش)، بل يجب أن تعترف بها في إطار الحقيقة والمصالحة لبناء مستقبل مشترك، تماماً كما فعلت جنوب أفريقيا بعد الفصل العنصري.

فالقوانين والدساتير تضمن آليات الحكم، بينما السردية الوطنية تضمن (الرغبة) في العيش المشترك. وبدون السردية، سيكون الدستور مجرد قواعد لعبة سرعان ما يقلبها الخاسر.

إذ كيف يمكن بناء هذا العقد الاجتماعي عملياً بدون سردية تاريخية جامعة تشكل الهوية الوطنية والشخصية للفرد والدولة ،،،وهنا تبرز أهمية (مفوضية الهوية والتاريخ)

فإن الكارثة الحالية في السودان، رغم مأساويتها وقسوتها، توفر فرصة تاريخية غير مسبوقة (قد تكون الأخيرة) لتصفير العداد السياسي.وعداد الصراعات ببناء سردية وطنية تاريخية جامعة !!!

النجاح في بناء عقد اجتماعي جديد لن يتحقق بالاعتماد على القوانين الصارمة وحدها، ولا بالركون إلى العواطف والشعارات الوطنية الجوفاء. إنه يتطلب المزج الشجاع بينهما سردية وطنية جديدة تحتضن الجميع وتداوي جراح الماضي، ويحميها دستور وقانون صارم يقف مساوياً بين رئيس الدولة وأي مواطن في أقصى قرية سودانية.

التحدي كبير، لكن بديل العقد الاجتماعي المرتكز علي سردية تاريخية وطنية هو التشظي 

وسيقتلعون ورب بكة في النيل الأزرق 

سيقتلعون !!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!