
عمار نجم الدين
طالعت فيديو لملكة جمال جبال النوبة (الأبدية )المتوجة لعام 2019 ونحن الآن في عام 2026 ومع ذلك ما زال اللقب يُقدَّم كأنو منصب سيادي مدى الحياة ما عندو تاريخ انتهاء 🤣
لكن المشكلة الحقيقية ما في اللقب الأبدي ولا في عمر صاحبته بل في الخطاب البتقدمو
فقد تحولت ملكة الجمال فجأة إلى مدربة تنمية بشرية وخبيرة في قضايا التهميش واكتشفت لينا إنو المشكلة ما في الدولة ولا مؤسساتها@ وإنما داخل رأس الإنسان النوباوي
هي بتقول لأبناء النوبة لازم تكونوا إيجابيين وفاعلين وما تخافوا وما تلوموا الدولة المركزية لأن التهميش والخوف مجرد أفكار سلبية
يعني المسألة طلعت سهلة شديد
كل المطلوب من الإنسان النوباوي إنو يقيف قدام المراية ويقول
أنا إيجابي
أنا جميل
أنا عسل
أنا ناجح
أنا غير مهمش
انه يفكر خارج الصندوق
وبعد التكرار تختفي الموانع الهيكلية Structural Barriers وتتحول المدارس المهدمة إلى جامعات وتنتهي الحروب وتصل المستشفيات إلى القرى وتتوزع السلطة والثروة بعدالة
لكن كيف يفكر الإنسان خارج الصندوق إذا كانت الدولة ذاتها هي الصنعت الصندوق وقفلتو عليهو واحتكرت مفتاحو
وكيف تطالب أبناء النوبة بألا يخافوا وكأن الخوف وهم نفسي بينما تاريخهم مليان بالحرب والقصف والتهجير والاعتقال والإقصاء
الخوف هنا ما فكرة ساكنة داخل الرأس بل ذاكرة صنعتها الدولة ومؤسساتها
خطابها ما مجرد سذاجة فكرية بل بؤدي وظيفة سياسية ونفسية تخدم النظام لأنها أصبحت جزءاً منو كمستشارة لرئيس الوزراء كامل إدريس وبدل ما تحمل قضايا أهلها إلى السلطة حملت خطاب السلطة ورجعت بيهو إلى أهلها
وبدل ما تكون صوتاً للضحايا داخل الدولة أصبحت صوت الدولة داخل الضحايا
وهنا بنصل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور
الإنسان المقهور لمن يعجز عن مواجهة السلطة القهرتو ممكن يتماهى معاها ويتبنى لغتها ونظرتها ليهو وبعد داك يوجه غضبو نحو أهلو
دي آلية دفاع نفسي معروفة بالتوحد مع المعتدي Identification with the Aggressor
الضحية هنا ما بتكتفي بقبول خطاب الجلاد بل بتعيد إنتاجو وتوزعو على بقية الضحايا باعتبارو إيجابية ووعياً
وبكده تتحول من ضحية للقهر إلى واحدة من أدوات استمرار القهر ووسيط نفسي بين السلطة والضحايا
وظيفتها تصبح إقناع المهمش إنو ما مهمش والخائف إنو خوفو وهم والفقير إنو فقره نتيجة أفكارو السلبية
وده أخطر أنواع التدجين لأنو ما بيستخدم السلاح أو السجن بل كلمات ناعمة زي الإيجابية والنجاح والتفكير خارج الصندوق
الدولة ما محتاجة تقول للإنسان النوباوي اسكت عن حقوقك
يكفي أن ترسل واحدة من أبناء جلدتو عشان تقول ليهو إنت السبب في معاناتك
وهنا تنتصر السلطة مرتين
المرة الأولى لمن تهمشو وتحرمو من حقوقو
والمرة التانية لمن تقنعو إنو هو المسؤول عن التهميش
خطاب الإيجابية هنا ما بعالج الضحية بل بزيد إحساسها بالذنب لأنها بدل ما تحاسب الدولة تبدأ تحاكم نفسها
أنا ليه ما نجحت
يمكن أنا سلبي
يمكن المشكلة فيني
دي الوصفة التجارية المبسطة لخطاب التنمية البشرية البقول إنك لو غيرت أفكارك حيتغير واقعك تلقائياً
لكن الواقع السياسي ما إعلان تحفيزي
والدولة العنصرية ما بتتفكك بابتسامة
والموانع الهيكلية ما بتختفي بترديد العبارات الإيجابية قبل النوم
كونك وصلتي إلى موقع داخل الدولة ما معناهو إنو الدولة بقت عادلة ولا إنو بقية أبناء النوبة فشلوا لأنهم ما كانوا إيجابيين
نجاح فرد واحد داخل بنية ظالمة ما بنفي وجود الظلم بل ممكن يتحول إلى واجهة تستخدمها الدولة لتبرئة نفسها
ما بتقول للسلطة غيّري سياساتك
بتقول للضحايا غيّروا أنفسكم
ما بتطالب الدولة بإزالة الموانع
بتطالب المهمشين بالتوقف عن رؤيتها
ما بتواجه القهر
بتدرب الضحية على التعايش معاه وهي مبتسمة
دي ما دعوة للتحرر بل عملية ترويض ناعمة للضحايا
وما خروج من الصندوق بل مطالبة للضحية بأن تزين جدران الصندوق وتقنع نفسها بأنها حرة
التحرر الحقيقي ما إنك تقول للضحية إنت عسل أنا جميل أنا ما غير مظلوم
التحرر الحقيقي إنك تساعدها تستعيد ثقتها في نفسها وتفهم أسباب القهر وتواجه المؤسسات البتنتجو
لأن الثقة بالنفس من غير وعي سياسي ممكن تتحول إلى وهم
والوعي بالقهر من غير فعل ممكن يتحول إلى عجز
أما الوعي مع التنظيم والفعل فهو البصنع التغيير الحقيقي




