القضاة في قفص الاتهام: عندما يرتدي الاستبداد زي العدالة.. وسقوط الإفلات من العقاب في السودان
عماد ابكر جدو

عماد ابكر جدو
في سائر تجارب الشعوب مع الأنظمة الشمولية، ينظر إلى السلطة السياسية باعتبارها الجاني الأول، لكن الحقيقة الأشد مرارة هي أن المستبدين ما كان لهم أن يستمروا لولا وجود سلطة قضائية طائعة، ارتضت أن تكون خنجراً في خاصرة العدالة ودرعاً يقيهم المحاسبة. وفي تاريخ السودان المعاصر، يبرز القضاء والنيابة كأحد أكبر مكامن الخلل والإفلات من العقاب؛ حيث ظل هذا المرفق، منذ عهد الفريق إبراهيم عبود وصولاً إلى اليوم، أداة طيعة لشرعنة البطش وتصفية الخصوم السياسيين.
من “قوانين سبتمبر” إلى تصفية المفكرين. الجذور المظلمة للقضاء الشمولي.
لم يكن القضاء في عهد “ثورة مايو” مجرد شاهد على الاستبداد، بل لعب دوراً مفصلياً في ترسيخ الحكم الشمولي، وتحديداً في المرحلة الأخيرة للنظام؛ حيث شُرّعت قوانين سبتمبر (التي أُطلقت عليها زوراً قوانين الشريعة الإسلامية). تحت غطاء هذه القوانين، قُطعت الأيدي والأرجل، وأُزهقت الأرواح، وسُخر القضاء لتصفية الخصوم السياسيين، والتي كان أبشعها إصدار حكم الردة وإعدام المفكر الشجاع محمود محمد طه.
لقد مثّل قضاة تلك الفترة . وعلى رأسهم أمثال المهلاوي، والمكاشفي طه الكباشي، وتاج السر أبو قرون كانو النواة الأولى والأخطر لقضاء الحركة الإسلامية. ورغم الشناعة التي ارتكبوها، أفلت هؤلاء القضاة من المحاسبة التاريخية .ومارسو بقية حياتهم بهدو وقد تمت مكافائتهم .بتعينهم مستشارين في اضخم الشركات الإسلامية . والأنكى والأمر من ذلك، أن الأحزاب السياسية السودانية صبّت جام غضبها على السلطة السياسية وتجاهلت المرفق العدلي؛ فجاءت المحاكمات خجولة وضعيفة، وحُكم أعضاء النظام بواسطة نفس قضاة النظام!
عهد “الإنقاذ”: تدجين القضاء ومأسسة الفساد
مع مجيء نظام “الإنقاذ”، انتقلت العدالة إلى مرحلة الانهيار الشامل عبر “تدجين” السلطة القضائية مأسستها. تم إنشاء نيابات خاصة ومحاكم خاصة، كانت سمتها الأساسية الفساد المطرد، وتوفير الغطاء القانوني للانتهاكات، وقمع الحركة الوطنية.
وبعد إسقاط نظام الإنقاذ في ثورة ديسمبر المجيدة، ارتكبت الحكومة الانتقالية خطأً تاريخياً؛ إذ لم تفتح ملف السلطة القضائية والعدلية بشكل جاد أو جذري، واكتفت باستبعاد بعض القضاة دون تشكيل لجان تحقيق ومحاسبة جنائية أو مؤسسية.
وكانت النتيجة كارثية: فبعد انقلاب 25 أكتوبر، أُعيد قضاة الحركة الإسلامية إلى سلك القضاء دفعة واحدة، ليتعزز الفساد وتنتهك حقوق الإنسان بصورة أشد شراسة. وظهرت تشريعات وقرارات جائرة مثل “قانون الوجوه الغريبة”، وتم إلقاء مئات الأبرياء في السجون باتهامات جزافية بالتعاون مع قوات الدعم السريع، ووصلت بعض هذه الأحكام الإيديولوجية الانتقامية إلى الإعدام. ولعل الشاهد الأبرز على هذا الانحدار هو تعيين القاضي أبو سبيحة عميداً لكلية القانون بجامعة الخرطوم بعد إحالته للمعاش، في رسالة صريحة باستمرار النهج القديم.
ان استعراض الدروس في
العالم.كيف واجهت الشعوب فساد العدالة؟
إن السودان يكاد يكون الدولة الوحيدة التي ينجو فيها الجناة القضاة من المساءلة. وإذا ما قارنا الوضع السوداني بالمحيط الإفريقي، والآسيوي، وتجارب أمريكا اللاتينية، نجد أن التخلص من شمولية النظام يبدأ دائماً بـ محاربة فساد السلطة القضائية:
ان التجربة الإفريقية:في محاربة فساد السلطة القضائية والعدلية نموزج.
جنوب إفريقيا.كشفت “لجنة الحقيقة والمصالحة” أدوار القضاة الذين منحوا شرعية لسياسات التمييز العنصري (الأبارتايد)، وتلتها إصلاحات هيكلية شاملة.
كينيا. بعد دستور 2010، خضع جميع القضاة لعملية تدقيق صارمة (Vetting)، أُزيل على إثرها العشرات بسبب الفساد وعدم النزاهة.
غامبيا. بعد سقوط يحيى جامع، كشفت لجنة الحقيقة تورط القضاة في التغطية على الانتهاكات، وأوصت بتطهير المرفق العدلي.
ان. تجارب أمريكا اللاتينية (الأكثر حدة)
الأرجنتين.خضع القضاة المتواطئون مع المجلس العسكري للتحقيق والمحاكمة لشرعنتهم التعذيب والاختفاء القسري.
بيرو.بعد انهيار نظام فوجيموري، تمت محاكمة قضاة وأعضاء نيابة متورطين في شبكات الفساد والرشوة.
غواتيمالا. وُجّهت اتهامات جنائية لمسؤولين قضائيين تعاونوا مع شبكات الإفلات من العقاب.
كذلك تتمثل في التجربة الاسيوية
كوريا الجنوبية.تمت إدانة وتجريد رئيس المحكمة العليا السابق (يانغ سونغ تاي) بتهم إساءة استخدام السلطة والتدخل في استقلال القضاء.
باكستان والفلبين: شُكلت مراجعات ومحاكمات للقضاة الذين شرعنوا الانقلابات أو تورطوا في الفساد والانحياز السياسي بعد سقوط الأنظمة الشمولية (مثل نظام ماركوس).
والحل يكمن في لا يمكن تأسيس دولة مؤسسات بلا تطهير القضاء
تثبت جميع التجارب الدولية أن أخطر أنواع الفساد ليس الرشوة المالية فحسب، بل هو تسخير القضاء لخدمة السلطة التنفيذية، عبر أصدار أحكام سياسية، وتجريم المعارضين، وإهدار ضمانات المحاكمة العادلة، وتوفير غطاء شرعي لانتهاكات حقوق الإنسان.
إن أي عملية عدالة انتقالية مستقبلية في السودان لن تتأتى إلا بشرط شارح: تفكيك وتطهير السلطة القضائية والعدلية قبل المحاسبة السياسية.
إن الحل يتلخص في المجهود الذي تبذله حكومة السلام في
تشكيل هيئة مستقلة ولجان متخصصة لتنقية السلطة القضائية والنيابة العامة من المفسدين والمتواطئين.
إخضاع الأداء القضائي السابق للتحقيق الجنائي والمؤسسي، وفق معايير المحاكمة العادلة والأدلة القاطعة، ودون الوقوع في فخ الانتقام السياسي.
إعادة بناء سلطة قضائية سليمة ومستقلة تكون هي الحاكم والحكم، لتقديم كل من أفسد أو شارك في تدمير البلاد إلى محاكمات عادلة وناجزة.
بدون محاكمة القضاة الفاسدين، ستظل العدالة مجرد وهم، وسيبقى الإفلات من العقاب هو القانون الحقيقي الحاكم للسودان.




