رأي

السودان بين نكوص النخب وأمل الأجيال في تأسيس جديد

نجم الدين دريسة

النخب السودانية التي أدمنت الفشل، وظلت على مدى سبعة عقود من الزمن تمارس التطبيع في أقبح صوره مع الظلم والانتهاكات، وبطش الشعوب المتحكرة على الامتيازات التاريخية، والمتموضعة في عقلية “الأفندي” المتماهية مع مصالحها الذاتية، يصعب جدًا التعويل عليها في بناء الوطن، لأن فاقد الشيء لا يُعطيه، وسبعة عقود كافية لبناء وطن يمتلك كل المقومات التي تؤهله لحجز موقع متميّز بين الشعوب والأمم، لولا أنه تعرّض لخيانة النخب.

إن السودان الذي تتطلع الأجيال إلى تأسيسه، يحتاج أولًا إلى سلام شامل ودائم، وهنا يبرز السؤال: كيف نتحاور ونتفاوض في أمر السلام، والثقة بيننا مفقودة تمامًا، والتفاهم ظلت تغتاله النخب مع سبق الإصرار والترصّد؟ لا سيما وأن سجلها ظلّ ينضح بنقض العهود والمواثيق، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾، فهذه النخب الانتهازية لا يمكن أن تلتزم بالاتفاقيات، ومن يجرّب المُجرَّب ستحيق به الندامة.

ومن الاشتراطات الأساسية لأي عملية سلام، أن تكون شاملة، بحيث يتم إشراك كل المجتمع بشرائحه وخلفياته الاجتماعية والسياسية والجغرافية، وبالتالي هناك ضرورة ملحة لتمثيل مختلف الكيانات الإثنية والعقدية والجندرية تمثيلًا عادلًا وحقيقيًا، بعيدًا عن الترميز التضليلي الذي ظل سائدًا على مدى الحقب الفائتة، لتحقيق شمول وعدالة أي اتفاقيات سلام قادمة.

ومن الشروط الجوهرية لإرساء دعائم التأسيس، العمل على معالجة جذور الصراعات، وفي هذا الصدد فإن أي عملية سلام تتطلب التفكير خارج المألوف، والتعمق في فهم طبيعة النزاعات وأسبابها، لتحقيق حلول تتسم بالمعقولية والاستدامة. وبالطبع، فإن من أبرز الأسباب التي قادت إلى الحروب، وأفضت إلى عدم الاستقرار، هي التهميش السياسي والاقتصادي، والمركزية القابضة والخانقة، والعنف الممنهج، والظلم المتراكم، علاوة على العنصرية وخطاب الكراهية.

السلام الذي ترتجيه الشعوب السودانية ليس مجرد غياب السلاح، بل هو العمل على وضع سياسات واستراتيجيات شاملة، تُحقّق التعايش السلمي والسلام الاجتماعي، من خلال الاعتراف بالتعدد والتنوع الثقافي والإثني، وخلق مؤسسات ديمقراطية تُعلي من قيمة المواطنة كأساس للحقوق والواجبات الدستورية، وتعزيز سيادة القانون. وفي هذا الصدد، يمكن الاستفادة من تجارب الشعوب التي مرّت بحروب أهلية تتشابه مع واقعنا السوداني، وتغلّبت عليها، ووضعت أسسًا متينة لإنهائها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!