تقارير وتحقيقات

الملف الكيميائي يطارد سلطة بورتسودان… الإعلام الإفريقي ينقل الأزمة إلى مرحلة جديدة

التنوير تقرير سكاي نيوز عربية

 

 

التنوير تقرير سكاي نيوز عربية 

 

توسع التغطية في الصحافة النيجيرية، وتصاعد العقوبات الأميركية، وضغوط منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، كلها مؤشرات على انتقال القضية من خلاف سياسي مع واشنطن إلى ملف دولي وإفريقي مفتوح يهدد المكانة الدبلوماسية لسلطة بورتسودان.

 

من العقوبات إلى تدويل الاتهامات

لم تعد قضية اتهام الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب الدائرة تقتصر على البيانات الأميركية أو العقوبات التي فرضتها واشنطن، بل أخذت تتحول تدريجياً إلى ملف دولي وإفريقي متصاعد، يلاحق سلطة بورتسودان ويضعها أمام ضغوط سياسية وقانونية وإعلامية متزايدة.

ويعكس هذا التحول انتقال القضية من نطاق السجال الثنائي بين الولايات المتحدة وسلطة بورتسودان إلى دائرة أوسع تشمل وسائل الإعلام الدولية والإفريقية، ومنظمات الرقابة الدولية، والمؤسسات المعنية بتنفيذ اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، الأمر الذي يرفع الكلفة السياسية والدبلوماسية للاتهامات، ويجعلها أكثر حضوراً في النقاش الدولي بشأن الحرب في السودان.

الصحافة النيجيرية تدخل على خط الأزمة

برز هذا التحول بصورة واضحة مع دخول وسائل إعلام إفريقية بارزة إلى متابعة الملف، وفي مقدمتها صحيفة “فانغارد” النيجيرية واسعة الانتشار، التي تناولت العقوبات الأميركية الجديدة المفروضة على السودان، وربطتها بقرار واشنطن القائل إن الحكومة السودانية انتهكت اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية باستخدام تلك الأسلحة خلال عام 2024.

ولا تكمن أهمية هذه التغطية في إعادة نشر الموقف الأميركي فحسب، وإنما في نقل القضية إلى الفضاء الإعلامي الإفريقي، بعدما ظل حضورها الأبرز خلال الأشهر الماضية محصوراً إلى حد كبير في وسائل الإعلام الغربية والمؤسسات الدولية.

ويعني هذا الانتقال أن الملف لم يعد يُنظر إليه بوصفه خلافاً سياسياً مع واشنطن، بل باعتباره قضية تمس الالتزامات القانونية للدول الإفريقية تجاه الاتفاقيات الدولية الخاصة بحظر الأسلحة الكيميائية وحماية المدنيين.

عقوبات تتجاوز البيانات السياسية

أوضحت صحيفة “فانغارد” أن العقوبات الأميركية، التي دخلت حيز التنفيذ في العشرين من يوليو، وسعت القيود على الصادرات والتمويل، وألزمت الولايات المتحدة بمعارضة القروض والمساعدات المالية الموجهة إلى السودان عبر المؤسسات المالية الدولية.

وأضافت أن الإجراءات الجديدة جاءت امتداداً للعقوبات التي فرضتها واشنطن بعد توصلها إلى أن السودان خالف التزاماته بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

وفي السياق ذاته، تناولت صحيفة “بانش” النيجيرية القضية، مشيرة إلى أن العقوبات استندت إلى اتهام الحكومة التي يهيمن عليها الجيش باستخدام أسلحة كيميائية في حربها ضد قوات الدعم السريع، كما استعادت الصحيفة اتهامات سابقة تحدثت عن استخدام مواد كيميائية ضد مدنيين في دارفور.

ويعكس تزامن التغطيتين في صحيفتين نيجيريتين بارزتين خروج الملف تدريجياً من نطاق التجاذب السياسي مع واشنطن، وتحوله إلى قضية تناقش داخل الإعلام الإفريقي، بما تحمله من أبعاد قانونية وإنسانية.

واشنطن تصعد داخل منظمة الحظر

لم تكتف الولايات المتحدة بفرض العقوبات، بل دفعت بالملف إلى مستوى جديد داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

فقد أعلنت واشنطن جولة ثانية من العقوبات بعد قولها إن سلطة بورتسودان لم تتخذ الخطوات المطلوبة لمعالجة انتهاك اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية والعودة إلى الامتثال الكامل لها.

وشملت الإجراءات إنهاء بعض المساعدات غير الإنسانية، وفرض قيود إضافية على الصادرات والتمويل والتعاون العسكري، إلى جانب معارضة حصول السودان على قروض من المؤسسات المالية الدولية.

وبذلك لم تعد القضية مجرد إدانة سياسية، وإنما تحولت إلى إجراءات عملية قد تؤثر في قدرة سلطة بورتسودان على الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا والتعاون الدولي.

التحقيق الدولي أصبح محور المواجهة

وفي موازاة العقوبات، كثفت الولايات المتحدة تحركاتها داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مطالبة بإجراء تحقيق وتفتيش دوليين مستقلين، ومؤكدة أن الإجراءات الداخلية التي أعلنتها سلطة بورتسودان لا يمكن أن تحل محل التحقق الدولي المحايد.

كما أكدت الولايات المتحدة أمام المجلس التنفيذي للمنظمة أن أسلحة كيميائية استُخدمت في السودان خلال عام 2024 في انتهاك لاتفاقية الحظر، بينما دعت بريطانيا الحكومة السودانية إلى إعلان نتائج تحقيقاتها والتعاون الكامل مع الآليات الدولية المختصة.

ويضع ذلك سلطة بورتسودان أمام ضغوط متزايدة، إذ إن استمرار الإنكار ورفض التحقيق المستقل قد يعززان المطالب الدولية باتخاذ إجراءات إضافية.

الإنكار لم يوقف اتساع القضية

رفضت سلطة بورتسودان العقوبات الأميركية، ووصفت الاتهامات بأنها غير مثبتة وتحركها دوافع سياسية، معتبرة أن الإجراءات الأميركية أحادية الجانب وغير قانونية.

غير أن هذا الرفض لم يؤد إلى احتواء الأزمة، بل تزامن مع اتساع التغطية الإعلامية الدولية، وإعادة فتح ملف استخدام الأسلحة الكيميائية في الحرب السودانية من قبل وسائل إعلام جديدة.

وتناولت مؤسسات إعلامية دولية العقوبات الأميركية الأخيرة، مستعيدة تقارير سابقة تحدثت عن استخدام غاز الكلور خلال هجمات وقعت عام 2024، وربطت الملف الكيميائي بسجل أوسع من الانتهاكات التي طالت المدنيين والمرافق الحيوية.

تقارير استقصائية تعيد بناء الملف

كان تحقيق نشرته فرانس 24 قد عرض معطيات وأدلة قال إنها تشير إلى استخدام غاز الكلور قرب مصفاة الجيلي شمال الخرطوم في سبتمبر 2024.

كما أفادت تقارير أميركية بأن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية في مناسبتين على الأقل خلال الحرب.

وسبق أن بثت سكاي نيوز عربية تحقيقاً استقصائياً موسعاً تضمن صوراً وشهادات مصورة لضحايا يُشتبه في تعرضهم لأسلحة كيميائية، مدعومة بتقارير طبية وأدلة بصرية.

ومع ذلك، يبقى الحسم الفني والقانوني النهائي من اختصاص آليات التحقيق الدولية، في وقت تواصل فيه سلطة بورتسودان رفض استقبال فرق التحقيق الدولية، على غرار موقفها من بعثة تقصي الحقائق المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان، الأمر الذي جعل السماح لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بإجراء تحقيق مستقل أحد أبرز مطالب المجتمع الدولي.

من أزمة صورة إلى عزلة دبلوماسية

يتزامن اتساع الاهتمام الإفريقي بالملف مع مساعي سلطة بورتسودان لتعزيز حضورها الدبلوماسي داخل القارة، وتقديم الحرب باعتبارها مواجهة بين الدولة وتمرد مسلح.

غير أن انتقال قضية الأسلحة الكيميائية إلى الصحافة الإفريقية يهدد هذه الرواية، إذ يقدم الجيش السوداني بوصفه طرفاً يواجه اتهامات باستخدام أحد أكثر أنواع الأسلحة تحريماً في القانون الدولي، وليس مجرد مؤسسة نظامية تخوض حرباً تقليدية.

كما أن تكرار القضية في المنصات الإعلامية الإفريقية قد يفتح الباب أمام تصاعد مطالب منظمات المجتمع المدني والهيئات الحقوقية الإفريقية بإجراء تحقيقات مستقلة، ومساءلة المسؤولين، وربط أي انفتاح سياسي أو اقتصادي على سلطة بورتسودان بمدى تعاونها مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

ورغم أن التغطية النيجيرية لا تعني تشكل موقف إفريقي رسمي موحد، فإنها تمثل مؤشراً واضحاً على أن القضية تجاوزت الإطار الأميركي، وأصبحت قابلة للانتشار والتفاعل داخل القارة.

ملف مفتوح وكلفة تتصاعد

تشير التغطيات المتلاحقة في وسائل الإعلام الدولية والإفريقية إلى أن ملف الأسلحة الكيميائية لم يعد مجرد خلاف سياسي بين واشنطن وسلطة بورتسودان، بل تحول إلى قضية تلاحق صورة الجيش السوداني خارجياً، مع اتساع ارتباطها بالعقوبات والقيود المالية والمساءلة الدولية والاتهامات بانتهاك اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

وكلما استمرت سلطة بورتسودان في رفض التعاون مع آليات التحقيق والتحقق الدولية، ازداد احتمال انتقال الملف من أزمة في علاقاتها مع الولايات المتحدة إلى عنوان دائم لعزلتها الإقليمية والدولية، وإلى أداة ضغط سياسية وقانونية متصاعدة على قيادتها العسكرية، ليس فقط في المحافل الدولية، وإنما أيضاً داخل محيطها الإفريقي، حيث بدأ الملف يكتسب زخماً إعلامياً وسياسياً يتجاوز حدود البيانات والعقوبات ليصبح جزءاً من صورة السودان الدبلوماسية أمام العالم.

المصدر سكاي نيوز عربية 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!