رأي

من كان يحكم السودان؟ سؤال السيادة بين إرث الحكم الثنائي وصناعة الذاكرة

منال علي محمود 

 

 

منال علي محمود 

كلما عاد الجدل حول العلاقة التاريخية بين السودان ومصر، تظهر عبارة تتكرر كثيرًا في بعض الخطابات الإعلامية: “السودان كان جزءًا من مصر”.

لكن قبل الدخول في هذه العبارة، هناك سؤال بسيط ربما يكشف الكثير من تعقيدات التاريخ:

هل يوجد حاكم مصري الجنسية حكم السودان خلال الفترة التي يُقال فيها إن السودان كان جزءًا من مصر؟

منذ قيام نظام الحكم الثنائي عام 1899 وحتى استقلال السودان عام 1956، تعاقب على منصب الحاكم العام للسودان عدد من الشخصيات البريطانية؛ من السير فرانسيس ريجنالد ونجت، مرورًا بلي ستاك وجيفري أرشر وجون مافيت وغيرهم، وصولًا إلى آخر الحكام البريطانيين قبل الاستقلال.

ولم يتولَّ منصب الحاكم العام للسودان خلال هذه الفترة أي شخص مصري الجنسية، رغم مشاركة موظفين وضباط مصريين في بعض مؤسسات الإدارة والجيش.

وهنا يظهر سؤال تاريخي مهم: كيف تُفهم فكرة السيادة المصرية على السودان في فترة كان فيها أعلى منصب إداري في السودان يشغله مسؤولون بريطانيون، وكانت أدوات الإدارة والجيش والقرار السياسي تحت نفوذ بريطانيا؟

لفهم هذه المرحلة، يجب العودة إلى طبيعة الحكم الثنائي نفسه. فبعد هزيمة الدولة المهدية وإعادة احتلال السودان عام 1898، لم يكن السودان أمام اتحاد سياسي بين دولتين متساويتين، بل أمام صيغة استعمارية صنعتها بريطانيا. حمل النظام اسم “الحكم الثنائي الإنجليزي المصري”، لكن توازن القوة داخله لم يكن متساويًا؛ إذ احتفظت بريطانيا بمفاتيح الإدارة الفعلية.

وهنا تظهر مسألة أخرى كثيرًا ما تختلط في النقاش: الفرق بين التاريخ المشترك والسيادة السياسية.

لا خلاف على أن السودان ومصر جمعتهما علاقات عميقة عبر النيل والجغرافيا والتجارة والثقافة. لكن وجود روابط تاريخية لا يعني بالضرورة أن أحد البلدين كان امتدادًا سياسيًا للآخر.

فالسيادة لا تُقرأ فقط من خلال الألقاب أو الصيغ الرسمية، بل من خلال موقع السلطة الفعلية: من يدير مؤسسات الدولة؟ من يضع القرارات؟ ومن يملك أدوات التنفيذ؟

حتى عند العودة إلى فترة محمد علي باشا، التي تُذكر كثيرًا في سياق الحديث عن ارتباط السودان بمصر، تظهر الحاجة إلى قراءة التاريخ في سياقه. فقد كان محمد علي واليًا عثمانيًا على مصر، وتمتع باستقلال واسع في إدارة شؤونها، ولم يكن مصري الأصل؛ إذ كان ألبانيًا من مدينة قولة داخل الدولة العثمانية. ثم أسس أسرة حاكمة توسعت جنوبًا وسيطرت على مناطق واسعة من السودان.

لكن توسع أسرة محمد علي جنوبًا كان جزءًا من منطق الإمبراطوريات في ذلك العصر، وليس نموذج الدولة الوطنية الحديثة التي ظهرت لاحقًا.

واللافت تاريخيًا أن مسألة الاستقلال تكشف جانبًا آخر من تعقيد المرحلة.

إذا كان السودان يُقدَّم باعتباره جزءًا من مصر، فكيف أعلن السودان استقلاله في يناير 1956، بينما لم يكتمل جلاء القوات البريطانية عن مصر إلا في يونيو من العام نفسه؟

الإجابة لا تكمن في مقارنة من “استقل أولًا”، بل في فهم أن البلدين كانا يخرجان من نظام نفوذ بريطاني معقد، لكن كل بلد سار في طريق مختلف.

مصر حصلت على استقلال اسمي عام 1922، مع استمرار نفوذ بريطاني في ملفات أساسية، ثم دخلت مرحلة جديدة بعد ثورة 1952 واتفاقية الجلاء عام 1954، حتى خرج آخر جندي بريطاني عام 1956.

أما السودان، فقد انتقل من صيغة الحكم الثنائي إلى دولة مستقلة عبر ترتيبات سياسية انتهت بإعلان الاستقلال في الأول من يناير 1956، منهياً بذلك نظام الحكم الثنائي الذي كانت بريطانيا ومصر طرفيه وفق اتفاقية عام 1899.

وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط أهمية: استقلال السودان لم يكن مجرد خروج من علاقة مع مصر، كما أن استقلال مصر لم يكن مجرد خروج عسكري بريطاني. كلا البلدين كان يعيد تعريف مفهوم السيادة بعد عقود من ترتيبات فرضتها قوة استعمارية واحدة.

لم يكن الجدل حول تاريخ العلاقة بين السودان ومصر صناعة شعبية فقط، بل شاركت النخب السياسية والاجتماعية التي ظهرت في ظل الحكم الاستعماري في تشكيل الطريقة التي فُسِّر بها هذا التاريخ. فقد استفادت بعض هذه النخب من مواقعها داخل النظام الذي أنشأه المستعمر، وارتبطت مصالحها باستمرار ترتيبات السلطة القائمة، بينما ظهرت في المقابل قوى أخرى سعت إلى مقاومة تلك البنية أو إعادة تعريف مستقبل البلاد بعيدًا عنها.

ومع انتقال السلطة من مرحلة الاستعمار إلى مرحلة الدولة الوطنية، لم تختفِ هذه النخب أو الخبرات التي تراكمت لديها، بل أصبح بعضها مرجعية عملية لكل سلطة جديدة تبحث عن إدارة الدولة ومؤسساتها. فالمعرفة الإدارية، وشبكات العلاقات، وخبرة التعامل مع أجهزة الحكم، تحولت إلى أدوات نفوذ استمرت في التأثير على طبيعة القرار السياسي وطريقة فهم قضايا الدولة والمجتمع.

كما نشأت خلال تلك المرحلة شبكات من العلاقات والمصالح امتدت عبر الزمن، وتطورت مع تغير الأنظمة والظروف، لتصبح جزءًا من المشهد السياسي في البلدين. فالعلاقات التي تُبنى في مراحل النفوذ لا تختفي بالضرورة مع تغير شكل السلطة، بل قد تستمر بأشكال جديدة، وتؤثر في طريقة تقديم الأحداث وتفسيرها.

ولهذا لم يكن الصراع حول التاريخ صراعًا بين وقائع فقط، بل أيضًا بين من يمتلك القدرة على تفسير هذه الوقائع ومنحها المعنى الذي يصل إلى الناس. فالروايات لا تنتشر دائمًا لأنها الأكثر دقة، بل لأنها تجد من يملك المنابر والأدوات التي تمنحها حضورًا وتأثيرًا.

وبينما ظلت قطاعات واسعة من الشعبين السوداني والمصري تحمل روابطها الاجتماعية والثقافية بعيدًا عن الحسابات السياسية، بقيت بعض النخب أكثر قدرة على تحويل التاريخ إلى خطاب عام، بحكم امتلاكها أدوات التأثير وصناعة الرأي.

لذلك لا تظهر بعض القراءات التاريخية في لحظات معينة بمعزل عن السياق السياسي المحيط بها. فالعلاقة بين السودان ومصر قد تسير في مسار طبيعي عندما تتوافق المصالح، لكن عند ظهور تحولات استراتيجية أو اختلافات سياسية، تبرز تفسيرات معينة للماضي لتؤدي وظيفة في الحاضر.

فالتاريخ لا يعود إلى النقاش العام دائمًا بسبب اكتشاف جديد، بل لأن لحظات السياسة تحتاج أحيانًا إلى سرديات تمنحها مبررًا أو زخمًا. وعندها تتحول بعض صفحات الماضي إلى أدوات في صراع الحاضر، وتصبح قادرة على توجيه المزاج العام نحو الاتجاه الذي تريده القوى الأكثر تأثيرًا.

لكن تجارب شعوب كثيرة مرت بظروف مشابهة تكشف أن الوعي بالتاريخ قادر على استعادة التوازن. فعندما تبدأ المجتمعات في قراءة ماضيها بعيدًا عن الروايات الجاهزة والمصالح السياسية، تصبح أكثر قدرة على التمييز بين ما حدث فعلًا وبين الطريقة التي قُدِّم بها الحدث عبر عقود.

فالوعي لا يمحو التاريخ، لكنه يحرره من الاستخدام الانتقائي، ويساعد الشعوب على تثبيت روايتها المبنية على المعرفة لا على التوظيف.

لهذا فإن السؤال الأكثر أهمية ليس: هل كان السودان ومصر بلدًا واحدًا؟

بل: من كان يملك القرار في الفترة التي يُعاد طرحها اليوم لإثبات هذه الرواية؟

فقراءة التاريخ تبدأ من مكان وجود السلطة، لا من الشعارات التي بقيت بعد زوال الظروف التي أنتجتها.

وربما تكون القضية الأهم اليوم ليست من يملك إرث الماضي، بل كيف يمكن لشعبين يحملان تاريخًا متداخلًا أن يبنيا علاقة مستقبلية تقوم على المصالح والاحترام المتبادل، لا على صراعات الروايات.

فالمشكلة ليست في أن للشعوب تاريخًا مشتركًا، بل في أن يتحول هذا التاريخ إلى أداة تستخدمها السياسة كلما احتاجت إلى إعادة رسم حدود الوعي قبل حدود الجغرافيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!