
جمعة حراز
في مساءٍ كان يفترض أن يُزهر فيه الفرح مع أول أيام عيد الفطر، تحوّلت مدينة الضعين إلى مسرحٍ لمأساةٍ دامية، حين امتدت يد الغدر لتقصف مستشفى الضعين التعليمي—الملاذ الأخير للمرضى والجرحى—بصواريخ وبراميل متفجرة، في جريمةٍ مكتملة الأركان تستهدف الحياة في أقدس تجلياتها.
لم يكن هذا القصف حادثاً عابراً، بل هو للمرة الثالثة استهداف مباشر لمستشفى الضعين والمرافق الصحية بالمدينة، في سلوكٍ ممنهج يكشف إصراراً واضحاً على تدمير ما تبقى من بنيةٍ صحية وخدمية، وحرمان المواطنين من أبسط حقوقهم في العلاج والحياة.
وتأتي هذه الجريمة ضمن سلسلة متواصلة من الانتهاكات التي تنفذها فلول الحركة الإسلامية وكتائبها المسلحة، وعلى رأسها ما يُعرف بكتائب البراء بن مالك، التي تمضي في ترسيخ نفسها كتنظيمات إرهابية بالفعل والممارسة، متحديةً إرادة المجتمع الدولي وقوانينه، ومعلنةً نهجها القائم على استهداف المدنيين وترويعهم.
استهداف المستشفى، بما يضمه من عنابر الأطفال والنساء والولادة والطوارئ، يكشف بوضوح طبيعة هذه الحرب: حرب ضد المدنيين، ضد الضعفاء، وضد كل ما يمت للإنسانية بصلة. إنها جريمة لا تحمل فقط طابع العدوان، بل تؤكد عقيدة متجذرة في الإبادة والتدمير.
الإحصائيات الأولية للفاجعة تُجسد هول الكارثة…عشرات الشهداء الذين سقطوا داخل أروقة العلاج، بينما فاق عدد الجرحى المئات، في مشهدٍ مأساوي تتداخل فيه صرخات الألم مع عجز الإمكانات، ولا تزال عمليات انتشال الضحايا من تحت الأنقاض مستمرة، ما ينذر بارتفاع الحصيلة في أي لحظة. والأشد إيلاماً أن جلّ الشهداء هم من الأطفال والنساء والعجزة والمسنين، ما يعكس الطبيعة الإجرامية لهذا الاستهداف الذي طال الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع.
هذه الجريمة ليست معزولة ؛ فهي امتداد لتاريخٍ طويل من استهداف المدنيين في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وجبال النوبة، حيث تحوّلت مؤسسات الدولة، تحت سيطرة الحركة الإسلامية، إلى أدوات قمعٍ وإبادةٍ ممنهجة. إن قصف المستشفيات، وتدمير البنى الصحية، وعرقلة القوافل الإنسانية، ليس سوى تعبيرٍ عن عقيدةٍ ترى في المواطن عدواً، وفي بقائه تهديداً.
إن ما جرى في الضعين يطرح سؤالاً أخلاقياً وسياسياً عميقاً.. أي جيشٍ هذا الذي يوجّه نيرانه نحو المرضى بدل حمايتهم؟ وأي شرعيةٍ يمكن أن تُمنح لقوةٍ تجعل من المستشفيات أهدافاً عسكرية؟ إن هذه الأفعال، في جوهرها، لا تختلف عن ممارسات التنظيمات المصنفة إرهابياً عالمياً، بل تؤكد أن هذه الكتائب تسعى عمداً لفرض نفسها ككيان إرهابي عابر لكل القيم والمواثيق، في تحدٍ سافر للمجتمع الدولي.
إن استهداف مستشفى الضعين ليس فقط جريمة حرب، بل هو تحدٍ صارخ لكل القوانين والمواثيق الدولية، وعلى رأسها القانون الدولي الإنساني الذي يجرّم بشكل قاطع الاعتداء على المنشآت الطبية. كما أنه يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي.. إما أن يتحمل مسؤولياته في حماية المدنيين، أو يواصل صمته الذي بات شريكاً في الجريمة.
فإن دماء الشهداء في الضعين لن تكون مجرد أرقام تُسجل في تقارير باردة، بل ستظل شاهداً حياً على مرحلةٍ سوداء من تاريخ السودان، ودافعاً لمواصلة النضال حتى يتحقق الأمن والعدالة. الرحمة للشهداء، والشفاء العاجل للجرحى، والحرية للوطن الذي يُولد من بين الركام.




