
محمود كاربينو
تبدو مفاوضات واشنطن بين الأطراف السودانية كأنها أكثر من لقاء تفاوضي فهي في جوهرها إعلان عن بداية نهاية مشروعٍ ظل يمسك برقبة الدولة منذ عقود ، واشنطن اليوم لا تحتضن مفاوضات سلام فحسب بل تكتب بوعي سياسي بالغ الفصل الأخير من حرب الإسلاميين في السودان ، فالمكان بذاته يحمل دلالة كبرى إذ لم تعد المفاوضات تُدار في عواصم المنطقة التي فشلت في كبح جماح الحرب ، بل انتقلت إلى مركز القرار العالمي الذي يرى أن مستقبل السودان جزء من هندسة التوازنات الجديدة في إفريقيا والشرق الأوسط.
واشنطن لم تكن موقعاً جغرافياً محايداً إنها حاضنة لمشروع إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس مختلفة ، فبعد أن عجزت المنابر الإقليمية عن ضبط إيقاع الصراع تسعى الولايات المتحدة لأن تجعل من هذه الجولة نقطة تحول حقيقية تُعيد تعريف السلطة وتضع نهاية لزمن الهيمنة الأيديولوجية الذي مثلته الحركة الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية.
الولايات المتحدة بخبرتها الطويلة في إدارة النزاعات المعقدة تحاول أن تكرر في السودان ما نجحت فيه جزئياً في صراعات أخرى ، فكما أجبرت واشنطن إسرائيل وحماس على الدخول في هدنة بعد حرب غزة الأخيرة تسعى الآن إلى فرض منطق مشابه يقوم على تهدئة الميدان وتفعيل السياسة ، وبذلك فإن مفاوضات واشنطن ليست تسوية ميدانية بقدر ما هي مشروع هندسة سياسية لبناء دولة سودانية جديدة.
في مقابل هذا التحرك تبرز قوات الDM كطرف ظل الأقرب إلى السلام والأكثر اتزاناً في الخطاب والممارسة ، فهي تدرك أن الحرب لا تصنع دولة وأن الشرعية تُبنى بالتوافق لا بالسلاح ، أما قيادة الحركة الإسلامية التي تختطف قرار الجيش فقد ظلت تاريخياً تتراجع في اللحظة الحاسمة من أي تسوية لأنها تعلم أن سلاماً لا يضمن وجودها السياسي يعني نهايتها ، الجيش في واقعه الحالي لا يتحدث بلسانه إنما بلسان مشروع عقائدي فقد أدواته المدنية فتحصن خلف المؤسسة العسكرية ليستمر في القتال تحت شعارات وطنية زائفة.
السودانيون من جانبهم يتطلعون إلى أن تكون مفاوضات واشنطن مختلفة وأن تفتح الباب أمام معالجة جذرية لأسباب الحرب لا وقف لإطلاق النار ، لقد سئم الناس تسويات النخب القديمة التي كررت دورات الفشل وأصبحوا يتطلعون إلى سلام يعيد توزيع السلطة والثروة على أسس العدالة والمواطنة لا على أسس الغلبة الدينية أو الطبقية.
إن موقع السودان الجيوسياسي يمنح هذه المفاوضات بُعداً دولياً لا يمكن تجاهله ، فالبلاد تقف على خط تماس بين مصالح القوى الكبرى في البحر الأحمر والقرن الإفريقي ، وواشنطن ترى في السودان مركز ثقل لإعادة تموضعها في إفريقيا بعد خساراتها في مناطق أخرى ، بينما تسعى موسكو وأنقرة والقاهرة إلى توظيف حضورها عبر مليشيات البرهان لتثبيت مواقعها في الخريطة القادمة.
من هنا يبرز السؤال الحاسم : هل تمتلك إدارة ترامب العائدة بنزعتها الشعبوية ورغبتها في فرض النفوذ الأمريكي ما يكفي من الإرادة لفرض حكومة سلام في السودان؟ إذا ما رفض الجيش هذه الخطوة فسيكون ذلك اختباراً حقيقياً للموقف الأمريكي تجاه حكومة “تأسيس” التي نشأت في نيالا كأمر واقع في مناطق سيطرة الDM و هل ستقف واشنطن على الحياد أم ستتعامل مع تلك الحكومة الناشئة باعتبارها نواة لسلطة بديلة؟.
قد تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة للتعامل مع حكومة “تأسيس” إذا واصل الجيش التعنت فواشنطن التي تراقب هشاشة المركز في بورتسودان قد تميل للاعتراف التدريجي بحكومة قادرة على إدارة الأرض وتأمين السكان ، خصوصاً إذا التزمت بالمعايير الإنسانية والقانون الدولي ، وفي المقابل فإن أي استمرار لسيطرة الجيش بيد الإسلاميين سيُفهم في واشنطن كتهديد مباشر للاستقرار الإقليمي ، ما قد يفتح الباب أمام خيارات ضغط اقتصادية وسياسية وربما عسكرية غير معلنة.
هكذا يتحول التفاوض السوداني في واشنطن إلى ساحة لكتابة التاريخ لا لقراءة بيانات السلام ، إنها لحظة فاصلة بين زمنين زمن الإسلاميين الذين حكموا بالحديد والنار ، وزمن الدولة الوطنية التي تتشكل من رماد الحرب ، وما تقرره واشنطن اليوم سيحدد شكل السودان القادم وحدوده السياسية والأخلاقية مع العالم ، وفي كل الأحوال فإن رياح التغيير تهب من الغرب والإسلاميون يواجهون عاصفة لا مهرب منها فإما أن ينخرطوا في سلام يعترف بالآخر ، أو يغادروا المشهد تماماً مع غروب مشروعهم الذي امتد نصف قرن وانتهى في واشنطن.




