تعقيب على …هل يحسم الجهاز التشريعي بحكومة السلام والوحدة تداخل الاختصاصات بين رئيس الجهاز التنفيذي وحكام الأقاليم؟(١-٣)
جمعة حراز يكتب

جمعة حراز يكتب
يمثل المقال الذي قدمه الأستاذ عبدالله جمعة النور قراءة دستورية وإدارية عميقة لإحدى أهم القضايا التي ستحدد مستقبل نظام الحكم خلال المرحلة التأسيسية، وهي قضية توزيع السلطات والعلاقة بين المستويات المختلفة للحكم في ظل الدستور الانتقالي لسنة 2025.
وتكتسب هذه القضية أهمية استثنائية لأنها ترتبط مباشرة بكفاءة مؤسسات الدولة وقدرتها على أداء وظائفها دون تضارب أو ازدواجية في مراكز اتخاذ القرار. فالتجارب الفيدرالية الحديثة تؤكد أن وضوح الاختصاصات بين السلطات المختلفة يعد أساساً لاستقرار الدولة وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد.
ومن أبرز المسائل التي تستحق الوقوف عندها العلاقة بين حكام الأقاليم ورئيس مجلس الوزراء، حيث تبرز ملامح تعارض محتمل بين المكانة الدستورية والبروتوكولية لحاكم الإقليم وبين المسؤوليات التنفيذية الممنوحة لرئيس مجلس الوزراء. فحاكم الإقليم، بحكم عضويته في المجلس الرئاسي وتمثيله للسلطة السيادية داخل إقليمه، يتمتع بمكانة سيادية رفيعة تجعله الممثل الأعلى للدولة في الإقليم، بينما يتولى رئيس مجلس الوزراء قيادة السلطة التنفيذية وإدارة أجهزة الدولة ووضع السياسات العامة ومتابعة تنفيذها.
وهنا تبرز الإشكالية الدستورية والإدارية؛ إذ لا يستقيم منطق الإدارة العامة الحديثة أن تكون هناك سلطة تنفيذية مركزية مسؤولة عن إدارة الدولة، وفي ذات الوقت توجد سلطة إقليمية ذات مكانة سيادية أعلى منها داخل نطاق الاختصاص الجغرافي نفسه دون وجود حدود فاصلة وواضحة بين المهام والصلاحيات.
ويكفي النظر إلى الجانب البروتوكولي لفهم طبيعة هذا التداخل، فالعرف الدستوري يمنح حاكم الإقليم باعتباره جزءاً من المجلس الرئاسي امتيازات ومراسم سيادية، من بينها العزف الجمهوري والتمثيل الرسمي للدولة واستقبال الوفود الرسمية، وهي امتيازات لا تُمنح لرئيس مجلس الوزراء بوصفه رئيساً للسلطة التنفيذية. ورغم أن هذه المكانة ذات طابع سيادي ورمزي، إلا أن استمرار الجمع بينها وبين السلطات التنفيذية داخل الإقليم قد يخلق ازدواجية في مراكز القرار ويؤثر على وحدة المرجعية الإدارية والتنفيذية للدولة.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الأشخاص، وإنما في طبيعة البناء الدستوري والمؤسسي نفسه. فالدول الفيدرالية الناجحة تقوم على مبدأ الفصل الواضح بين السلطة السيادية التي تمثل الدولة وتحافظ على وحدتها، وبين السلطة التنفيذية التي تدير شؤون الحكم وتنفذ السياسات العامة وفق تسلسل إداري محدد ومسؤوليات واضحة.
وفي ظل التحولات السياسية والاقتصادية التي تشهدها البلاد، فإن الحاجة أصبحت ملحة لإصدار قانون حديث للحكم اللامركزي يستند إلى فلسفة جديدة تتجاوز المفهوم التقليدي للإدارة المحلية نحو نموذج للحكم الإقليمي القائم على الكفاءة المؤسسية والتنمية المكانية وتوزيع السلطات وفق قواعد دستورية واضحة.
ولتحقيق ذلك، فإن المرحلة التأسيسية تتطلب تبني إصلاحات مؤسسية وتشريعية عميقة تضمن وضوح المرجعيات، وتمنع تضارب الاختصاصات، وتعزز كفاءة مؤسسات الحكم على المستوى الاتحادي والإقليمي والمحلي.
النتائج….
٠ وجود تداخل محتمل بين الاختصاصات السيادية لحكام الأقاليم والاختصاصات التنفيذية لرئيس مجلس الوزراء.
غياب نصوص تفصيلية تحدد العلاقة المؤسسية بين المجلس الرئاسي وحكومات الأقاليم.
احتمال نشوء ازدواجية في مراكز اتخاذ القرار خلال المرحلة التأسيسية.
. ضعف آليات المساءلة الإدارية عند عدم وضوح تبعية الأجهزة التنفيذية بالأقاليم.
. الحاجة إلى تطوير إطار قانوني جديد للحكم اللامركزي يتوافق مع التحولات السياسية والاقتصادية الراهنة.
. عدم حسم الوضع الإداري للولايات والمستويات الوسيطة بين الإقليم والمحلية.
. الحاجة إلى إعادة هندسة مؤسسات الحكم بما يتوافق مع متطلبات النظام الفيدرالي الحديث.
لابد من الآتي….
. الإسراع في إصدار قانون الحكم اللامركزي لتحديد السلطات والاختصاصات بين جميع مستويات الحكم.
. مراجعة النصوص الدستورية المتعلقة بعلاقة حكام الأقاليم بالمجلس الرئاسي والسلطة التنفيذية.
. اعتماد مبدأ الفصل الواضح بين المهام السيادية والاختصاصات التنفيذية.
. إخضاع الأداء التنفيذي بالأقاليم للسياسات العامة التي يقرها مجلس الوزراء.
. تمكين مجلس الأقاليم من ممارسة دوره الرقابي والتشريعي بصورة فاعلة.
. تنظيم ورش عمل ومؤتمرات علمية متخصصة حول مستقبل الحكم الفيدرالي بالسودان.
. تطوير نظام مالي يضمن عدالة توزيع الموارد بين الأقاليم والمحليات.
. تعزيز صلاحيات المحليات باعتبارها المستوى الأقرب للمواطن.
. إنشاء آليات مؤسسية لتنسيق العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم.
الاستفادة من التجارب الفيدرالية الناجحة في إدارة التنوع وتحقيق التنمية المتوازنة.
في رأي يكمن الحل في التالي ….
. إنشاء مجلس تنسيق اتحادي–إقليمي برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية حكام الأقاليم.
. الفصل بين عضوية المجلس الرئاسي ومنصب حاكم الإقليم، أو وضع ضوابط دستورية دقيقة تنظم العلاقة بينهما.
. اعتماد هيكل إداري واضح يقوم على .. إقليم – محافظة/مديرية – محلية.
. إنشاء مفوضية قومية لتوزيع الإيرادات والموارد بين مستويات الحكم المختلفة.
. تأسيس محكمة دستورية أو دائرة دستورية مختصة بحسم النزاعات بين السلطات ومستويات الحكم.
. وضع مصفوفة قومية للاختصاصات الحصرية والمشتركة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحليات.
. تطبيق نظام تقييم أداء دوري لحكومات الأقاليم والمحليات وفق مؤشرات قياس معتمدة.
ربط الحكم اللامركزي بالتنمية المكانية والاستثمار والإنتاج لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
. بناء منظومة حوكمة حديثة تعتمد على الشفافية والمساءلة والتكامل بين مؤسسات الدولة.
خلاصة استراتيجية…
السلطة السيادية تمثل الدولة.
السلطة التنفيذية تدير الدولة.
الأقاليم تنفذ التنمية.
المحليات تقدم الخدمات.
المجالس الأقاليم ومجلس النواب القومي …يراقب ويحاسب.
إن حكومة السلام والوحدة أمام فرصة تاريخية لإرساء نموذج سوداني متطور للحكم الفيدرالي، يقوم على وضوح الاختصاصات، ووحدة المرجعية التنفيذية، والفصل المتوازن بين السلطات، وعدالة توزيع الموارد، وتعزيز الحكم الرشيد. فالدولة الحديثة لا تُبنى بتعدد مراكز السلطة، وإنما ببناء مؤسسات متكاملة تعمل وفق قواعد دستورية وقانونية واضحة تحقق الفعالية والاستقرار والمساءلة.
وعليه، فإن ما طرحه الأستاذ عبدالله جمعة النور يمثل مساهمة فكرية ودستورية مهمة تفتح الباب أمام حوار وطني عميق حول مستقبل الحكم اللامركزي في السودان، وتؤسس لرؤية إصلاحية تستجيب لمتطلبات المرحلة التأسيسية، وتسهم في بناء دولة المؤسسات والقانون والتنمية المستدامة، بما يحقق تطلعات المواطنين في السلام والاستقرار والعدالة والتنمية…
ونواصل




