رأي

المجد للبندقية

الدكتور ابوصالح

الدكتور ابوصالح

في خضمّ التقلبات السياسية العاصفة، تتصدر أخبار التفاوض بين قيادة الجيش السوداني والحركات المسلحة العناوين، مُعلنةً عودة الدكتور جبريل إبراهيم إلى وزارة المالية، ونور الدين سعيد إلى وزارة المعادن. هذه التغييرات، التي تمخضت عن مفاوضات ماراثونية، ليست مجرد “تعديل وزاري” روتيني، بل تُجسّد تحولات عميقة في ميزان القوى، وتُظهر كيف أصبح السلاح طرفًا رئيسيًا في صنع القرار السياسي.لقد أثبتت الحركات المسلحة، عبر إصرارها على مطالبها ورفضها الرضوخ لضغوط التفاوض، أنها تعي جيدًا قواعد اللعبة في السودان اليوم. فمشاركتها الفاعلة في الحرب وبكل كلفتها البشرية والأخلاقية هي التي منحتها رأس المال السياسي الحالي. ولا يُمكن تجاوز هذه الحقيقة بمجرد شعارات إصلاحية أو وعودٍ تُشبه سرابًا في صحراء القرار السوداني. بات واضحًا أن المعادلة السياسية في السودان لم تعد تُدار بمنطق المؤسسات والدساتير، بل بمنطق “القوة على الأرض”، كما أكّد رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان بعبارته الشهيرة: “المجد للبندقية”. ففي دولةٍ تُعيد كتابة تحالفاتها بين ليلة وضحاها، تُصبح القوة العسكرية والقدرة على فرض الإرادة هما مقياس النفوذ الحقيقي.في هذا السياق، يُحق للحركات المسلحة المطالبة بحصتها في السلطة، طالما أنها أصبحت لاعبًا رئيسيًا في المعادلة. لكن هذه المكاسب، رغم مشروعية نضالها، تبقى هشةً في ظل نظامٍ تُعاد صياغة ولاءاته كلما تغيرت موازين المصالح. فالسودان، بتاريخه الطويل من الانقلابات والتحالفات الهشة، لا يُقدم ضماناتٍ دائمة لأحد. على قادة الحركات المسلحة أن يُدركوا أن “النصر” اليوم قد ينقلب غدًا إلى فخ. فالمطلوب الآن ليس فقط الاستحواذ على المناصب، بل بناء استراتيجية طويلة المدى لحماية المكاسب، عبر تعزيز التنظيم الداخلي وتنويع مصادر القوة. ففي بلدٍ تتقاطع فيه المصالح الإقليمية والدولية، لا مكان للثقة العمياء بالوعود. أما نحن جمهور المواطنين نراقب المشهد بقلوبٍ مثقلة بالهموم. فكل تحالفٍ جديد أو تغييرٍ في المناصب يُعيد تشكيل حياتنا اليومية: من أسعار الخبز إلى أحلام العودة إلى الدراسة أو العمل. نُتابع الأخبار بعيونٍ تعبت من الوعود، وقلوبٍ تتساءل: متى يصبح “السلام” أكثر من مجرد كلمة في خطابات السياسيين؟. السياسة في السودان ليست لعبة أرقام، بل هي مصيرُ شعبٍ يبحث عن استقرارٍ يُشبه الوهم. والبقاء هنا لا يُمنح لصاحب الحق، بل لمن يمتلك أدوات الحفاظ عليه. فهل ستتعلم القوى المدنية أن تُناور بذكاء؟ وهل ستعرف الحركات المسلحة أن القوة وحدها لا تبني وطنًا؟. الإجابة تكمن في شوارع النزوح واللجؤ، حيث يُصرخ الصمت بوجوهنا كل يوم. وسلامٌ على مَن لم يفقد إيمانه بالكرامة، حتى في زمن الرصاص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!