
فاطمة لقاوة
في تاريخ الشعوب، لا تُصنع المنعطفات التاريخية الكبرى بالضجيج، وإنما بالإرادة والإنضباط والقدرة على تحويل التحديات إلى لحظات تأسيس، هكذا تُقرأ خطابات القادة في أزمنة الحروب؛ فهي ليست مجرد كلمات تُلقى، وإنما رسائل تحدد إتجاه المرحلة، وترسم العلاقة بين الميدان والمجتمع، وبين القوة والمسؤولية.
لقد حمل خطاب الفريق أول محمد حمدان-دقلو،رئيس المجلس الرئاسي لحكومة السلام و قائد قوات الدعم السريع-الذي ألقاه اليوم رسالة مفادها أن المرحلة المقبلة تتطلب قدراً أعلى من الإنضباط العسكري، واليقظة، والإلتزام بحماية المدنيين، إلى جانب الإستعداد لمواجهة تحديات الميدان بثبات وثقة،و في مثل هذه اللحظات، يصبح التنظيم والإلتزام بالتوجيهات جزءاً من قوة أي تشكيل عسكري، كما يصبح الحفاظ على أرواح المدنيين وممتلكاتهم معياراً لنجاح أي مشروع يسعى إلى كسب ثقة المجتمع.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الجيوش التي تلتزم بالإنضباط وتحافظ على صلتها بمجتمعاتها هي الأقدر على الصمود في المعارك الطويلة، فالقوة ليست في السلاح وحده، وإنما في الأخلاق التي تضبط إستخدامه، وفي الثقة التي تمنحها المجتمعات لمن يحمل مسؤولية الدفاع عنها.
إذا كانت كردفان اليوم تقف في قلب الأحداث، فإنها ليست مجرد ساحة مواجهة، بل أرض صنعت تاريخ السودان في أصعب المحطات، فمن سهولها وبواديها خرج رجال ونساء عرفوا معنى الصبر والثبات، وتحملت مجتمعاتها أعباء الحرب والنزوح، لكنها لم تفقد إيمانها بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل إذا إقترن الصمود بالحكمة.
يعلم الأشاوس في مواقعهم المختلفة، إن التاريخ لا يخلد من يحمل السلاح فقط، بل يخلد من يحسن إستخدامه، ويحفظ آدمية الناس الذين كرمهم ربهم، ويجعل من الإنضباط عنواناً لكل خطوة يخطوها. ثبات الأشاوس الذي أكدت عليه القيادة، ينبغي أن يقترن بإحترام المدنيين، وصيانة الممتلكات، والتعامل مع المجتمع بإعتباره الشريك الأول في صناعة المستقبل.
يعلم أهل كردفان ودارفور وكل المجتمعات التي تتابع تطورات الميدان بقلق، فإن قوة أي مشروع لا تُقاس فقط بنتائج المعارك، وإنما بقدرته على حفظ الأمن، وطمأنة الأسر، وحماية الأطفال والنساء وكبار السن، وفتح الطريق أمام عودة الحياة الطبيعية، فالمجتمع هو الغاية، وليس ساحة للصراع.
اللحظات الفاصلة في تاريخ الأمم تفرض على الجميع مسؤوليات متبادلة؛ مسؤولية المقاتل في الإلتزام والإنضباط، ومسؤولية المجتمع في التماسك وعدم الإنجرار خلف الشائعات، ومسؤولية القيادة في إدارة المرحلة بما يحفظ الأرواح ويعزز الإستقرار.
يبقى التاريخ شاهداً على أن الشعوب التي تجاوزت محنها لم تفعل ذلك بالقوة وحدها، وإنما بالإيمان بالمستقبل، ووحدة الصف، والإنضباط، والقدرة على تحويل الألم إلى بداية جديدة،و هذا ما إلتمسناه في خطاب الجنرال محمد حمدان دقلو اليوم.
كردفان، بما تختزنه من إرث وتضحيات، ستظل جزءاً أساسياً من أي صفحة جديدة يكتبها السودانيون لأنفسهم، أملاً في وطن يسوده الأمن والإستقرار والكرامة.
ولنا عودة بإذن الله




