
منال علي محمود
لم يحتج خطاب حميدتي من نيالا، عقب معارك شمال كردفان، إلى وقت طويل حتى يرسم ملامح المرحلة المقبلة. ففي دقائق معدودة، وجّه رسائل إلى قواته، والرأي العام، والمجتمع الدولي، جامعًا بين التوجيه العسكري والرسالة السياسية في خطاب واحد.
القوات تلقت رسائل تتعلق بتغيير طريقة إدارة العمليات، والانضباط في تداول المعلومات، وتوسيع مسؤولية الميدان. والرأي العام تلقى تأكيدًا على الانفتاح على السلام مع رفض استمرار القتال في ظل تفاهمات لا تحقق وقفًا فعليًا للعمليات العسكرية. أما المجتمع الدولي، فقد حمل إليه الخطاب رسالة واضحة عبر التأكيد على الالتزام بالقواعد والقوانين والأعراف الدولية، وحماية المدنيين.
هذه القدرة على مخاطبة أكثر من دائرة في وقت واحد منحت الخطاب كثافة في المعنى، وجعلته أقرب إلى إعلان عن ملامح مرحلة جديدة، أكثر من كونه خطابًا تعبويًا تقليديًا.
بعد الإشادة بالقوات، والترحم على الذين فقدوا أرواحهم، جاءت العبارة التي يمكن اعتبارها مفتاح قراءة الخطاب كله.
“أهم حاجة نغير الطريقة حقتنا.”
هذه العبارة توحي بأن المراجعة لا تتعلق بهدف العمليات، وإنما بطريقة إدارتها. فالخطاب لا يدعو إلى تغيير المعركة، بل إلى تغيير أسلوب خوضها.
ثم جاءت العبارة الأكثر دلالة:
“من اليوم الرسن ليس معي بل معكم.”
هذه الجملة تحمل معنى يتجاوز رفع المعنويات. فهي تشير إلى نقل مسؤولية تشغيلية أوسع إلى القادة في الميدان، بما يسمح بسرعة أكبر في اتخاذ القرار والتعامل مع المتغيرات.
غير أن اللامركزية لا تعني غياب القيادة، بل تقوم على وجود رؤية موحدة، وهدف واضح، وخطة مشتركة يستطيع الجميع تنفيذها من مواقع مختلفة. ولهذا فإن توسيع صلاحيات الميدان يعكس مستوى أعلى من الانسجام داخل القوة، حيث يصبح توزيع القرار ممكنًا لأن الاتجاه العام أصبح واحدًا.
ومن هذه الزاوية، تبدو عبارة “الرسن ليس معي بل معكم” إعلانًا عن انتقال من إدارة يتركز فيها القرار بصورة أكبر في القيادة العليا، إلى إدارة تمنح الميدان مساحة أوسع للمبادرة. كما توحي بمحاولة الانتقال من الاكتفاء بالتعامل مع تطورات المعركة إلى امتلاك قدرة أكبر على تشكيل مسارها وفرض إيقاعها.
كما حمل الخطاب رسالة سياسية واضحة عندما قال:
“نحن مع السلام وليس ضده، لكن لن نقبل أن يتم تخديرنا بالمعاهدات بينما يفتح باب القتال لهم.”
ويمكن فهم هذه العبارة باعتبارها تعكس تراجع الرهان على التفاهمات بعد التطورات العسكرية الأخيرة، وربط القرارات المقبلة بما يفرضه الواقع الميداني أكثر من الوعود السياسية.
أما قوله:
“اللعبة ستتغير”، و”المعركة قدام”، و”أبشروا بالخير”
فقد حمل إشارة إلى مرحلة عملياتية جديدة دون الإفصاح عن تفاصيلها. وعدم تسمية المناطق يعكس حرصًا على عدم تقديم معلومات يمكن أن يستفيد منها الخصم.
ولا يمكن قراءة أي حديث عن انفتاح عملياتي جديد بمعزل عن حسابات السيطرة. فالقائد العسكري لا يشير إلى مرحلة أوسع ما لم يكن قد اطمأن إلى قدرة قواته على تثبيت مناطق الاشتباك، وتأمين خطوطها، والحفاظ على تماسكها القتالي، بما يسمح بالانتقال إلى عمليات جديدة بثقة أكبر.
كما ركز الخطاب على إدارة المعلومات من خلال منع التصوير إلا عبر التوجيه المعنوي والتوثيق. وهذه ليست مسألة تنظيمية فحسب، بل تعكس إدراكًا بأن المعلومة أصبحت جزءًا من إدارة المعركة، وأن السيطرة عليها لا تقل أهمية عن إدارة التحركات العسكرية نفسها.
ويمكن قراءة هذا التوجيه أيضًا بوصفه مراجعة لأسلوب التعامل مع المحتوى المتداول من ساحات القتال، انطلاقًا من أن الصور ومقاطع الفيديو قد تتحول إلى مصدر معلومات للطرف المقابل، تكشف طبيعة الانتشار، وحجم القوة، وأنماط الحركة، بما يمنحه معطيات لم يكن ليحصل عليها لولا النشر غير المنضبط. ومن هذا المنطلق، يبدو أن الخطاب يتعامل مع الانضباط الإعلامي باعتباره جزءًا من الانضباط العملياتي، لا قضية منفصلة عنه.
وجاءت لغة الجسد منسجمة مع مضمون الخطاب. فقد غلب عليها الهدوء والحسم والثقة، دون ملامح غضب أو ارتباك، بما يعزز الانطباع بأن الرسائل التي حملها الخطاب جاءت في إطار توجه جرى الإعداد له، لا بوصفها رد فعل لحظيًا.
في المحصلة، حمل خطاب نيالا إعلانًا عن اقتراب مرحلة عملياتية جديدة، لكنه كشف في الوقت نفسه عن تحول في الطريقة التي ستدار بها. فالرسالة لم تقتصر على أن المعركة تتجه إلى ساحات أوسع، بل أوضحت أيضًا أن إدارتها ستقوم على منح الميدان مسؤولية أكبر، ضمن رؤية موحدة وهدف واضح وخطة واحدة.
ولهذا اكتسبت عبارة “الرسن ليس معي بل معكم” مكانتها باعتبارها مفتاح قراءة الخطاب كله. فهي تعكس انتقالًا إلى نموذج يمنح القادة في الميدان مساحة أوسع للمبادرة، في إطار قيادة موحدة، استعدادًا لانفتاح عملياتي بدا الخطاب واثقًا من اقترابه، دون أن يكشف عن وجهته.




