رأي

مواجهة الهامش بالهامش.. هل ستنتهي نظرية “اضرب العبد بالعبد”؟

آدم الحاج أديب

 

 آدم الحاج أديب

لم تكن الحروب التي شهدها السودان منذ الاستقلال مجرد مواجهات عسكرية عابرة، بل كانت انعكاساً لأزمة بنيوية في إدارة الدولة، قامت على احتكار السلطة والثروة وإقصاء الأطراف، ثم إدارة الأزمات بدلاً من حلها. ولعل أخطر ما ابتدعته الدولة المركزية عبر تاريخها هو تحويل الثورات المطلبية إلى حروب بين أبناء الهامش أنفسهم، حتى أصبح الضحية يقاتل الضحية، بينما ظل مركز القرار بعيداً عن دفع فاتورة الدم.

لقد تأسست هذه السياسة على معادلة يمكن اختصارها في عبارة: “مواجهة الهامش بالهامش”، أو ما اصطلح عليه شعبياً بـ”اضرب العبد بالعبد”. وهي ليست مجرد خطة عسكرية، وإنما فلسفة سياسية لإدارة الصراع هدفت إلى تفتيت القوى المطالبة بالعدالة، وإغراقها في حروب استنزاف طويلة، بينما تبقى بنية السلطة القديمة بمنأى عن التغيير الحقيقي.

واليوم، وبعد معارك بارا، وجبرة الشيخ، وأم سيالة، وغيرها من ميادين القتال، يفرض الواقع أسئلة لا يمكن تجاهلها: من الذي دفع الثمن الحقيقي لهذه المعارك؟ ومن الذي فقد أبناءه؟ ومن الذي امتلأت أرضه بالمقابر ومخيمات النزوح؟ وهل كانت هذه الدماء جسراً لتحقيق المشروع السياسي الذي حملت من أجله حركات الكفاح المسلح السلاح، أم أنها أصبحت وقوداً لمعركة لا تحقق لجماهيرها سوى المزيد من الفقد والتهجير؟

لقد تكبدت بعض فصائل الحركات المشتركة خسائر بشرية موجعة من خيرة أبنائها، بينما لا تزال جماهيرها تعيش بين النزوح واللجوء وانعدام الأمن. ومن حق هذه الجماهير أن تسأل قياداتها: ما هو المقابل السياسي لكل هذه التضحيات؟ وأين المشروع الذي وعدتم به الناس؟ وهل تحولت الشراكة التي بُشِّر بها إلى شراكة حقيقية في صناعة القرار، أم بقيت مجرد شراكة شكلية لا تغيّر من واقع التهميش شيئاً؟

وهنا يبرز السؤال الأكثر إيلاماً: هل فقدت بعض حركات الكفاح المسلح ذاكرتها السياسية؟ وهل نسيت ما تعرضت له بالأمس من إقصاء وحروب وتشريد عندما أعلنت تمردها على دولة المركز مطالبة بالعدالة وتقاسم السلطة والثروة؟ كيف انتقلت من مقاومة سياسات المركز إلى القتال دفاعاً عن معادلات لم تحقق التحول الذي خرجت من أجله؟

وهل ما يجري اليوم يعكس مراجعة سياسية واعية، أم أنه يعبر عن أزمة في تقدير الموقف الاستراتيجي؟ وهل أصبحت البندقية وسيلة لتحقيق مشروع التحرر، أم أن بعض القيادات انزلقت إلى صراعات أصبح الحفاظ فيها على النفوذ العسكري والسياسي غاية في ذاته، بينما ظل المواطن الذي حملت الحركة اسمه وقضيته هو الخاسر الأكبر؟

إن جماهير هذه الحركات دفعت ثمناً مضاعفاً؛ فقدت أبناءها في ساحات القتال، ثم فقدت أمنها وبيوتها ومستقبلها بسبب النزوح والتشرد واللجوء. وفي المقابل، ما تزال الأسئلة الكبرى حول العدالة والتنمية والمواطنة المتساوية تنتظر الإجابة.

كما أن من حق الجميع أن يتساءل: هل كان خطاب الكراهية والاستعلاء الذي مارسته بعض القوى السياسية والاجتماعية في المركز سبباً في تعميق الجراح ودفع الأطراف نحو مواقف أكثر تشدداً؟ أم أن تراكم الخصومات التاريخية والرواسب الإثنية أصبح يحجب الرؤية الاستراتيجية لمشروع التعايش والمواطنة الذي تحتاجه كل المجتمعات السودانية؟

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي حركة تحرر هو أن تفقد بوصلتها السياسية، وأن تتحول من مشروع لتحرير الإنسان إلى طرف في دورة جديدة من الاستنزاف. فالتاريخ لا يحاسب الحركات على شعاراتها، وإنما على ما حققته لشعوبها من عدالة وكرامة وتنمية وسلام.

وفي خضم هذا المشهد، لا بد من الاعتراف بحقيقة ربما تكون أكثر قسوة من وقائع الحرب نفسها، وهي أن عبودية العقل وسوء التقدير في التفكير أخطر من عبودية الشكل أو اللون أو الانتماء الإثني. فالقيود التي تكبل الوعي قد تكون أقسى من القيود التي تكبل الجسد، لأن الإنسان قد يتحرر من سلطة القهر، لكنه يبقى أسيراً إذا عجز عن مراجعة أفكاره، أو ظل حبيساً لذاكرة الألم والانتقام.

إن التحرر الحقيقي لا يبدأ بحمل السلاح فقط، وإنما يبدأ بتحرير العقل من أسر الماضي، وبالقدرة على مراجعة التجارب بصدق وشجاعة. فالثورات التي لا تتعلم من أخطائها، ولا تراجع تحالفاتها، ولا تعيد قراءة مواقفها، قد تتحول من حيث لا تشعر إلى جزء من الأزمة التي خرجت أصلاً لمحاربتها.

ومن لا يأخذ العبرة من دروس الماضي، فلن يستشرف أي مستقبل. فالتاريخ لا يعاقب من أخطأ مرة، وإنما يعاقب من يكرر الأخطاء نفسها وهو ينتظر نتائج مختلفة.

ومن هنا، فإن السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل لن يجدي فيه الترقيع، ولن تنقذه التسويات التقليدية التي تُطرح في منابر التفاوض، لأنها تعالج نتائج الأزمة ولا تعالج جذورها. لقد تجاوز السودان مرحلة الإصلاح الجزئي، وأصبح في حاجة إلى إعادة تأسيس الدولة السودانية من تحت أنقاض وركام الحرب.

إن هذه الحرب يجب أن تكون الحرب التي تنهي جميع أسئلة الحرب، لا الحرب التي تؤجلها إلى جيل آخر. فالسودان يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد، ودستور جديد، ومؤسسات جديدة، ورؤية جديدة للعلاقة بين المركز والأقاليم، وبين السلطة والمواطن، وبين الهوية والمواطنة.

أما إعادة تدوير النخب، أو توزيع المناصب، أو ترميم الدولة القديمة تحت مسميات التسوية والإصلاح، فلن يكون سوى تأجيل لأزمة قادمة. فقد أثبتت التجارب أن أي تسوية لا تؤسس لعدالة سياسية واجتماعية حقيقية تتحول إلى هدنة مؤقتة، ثم تعود دورة الصراع من جديد.

إن السودان يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لا تتكرر كثيراً؛ فإما أن يؤسس دولة جديدة تقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون، وإما أن يعيد إنتاج أسباب الحرب نفسها، وعندها لن تكون الحرب الحالية نهاية المأساة، بل مقدمة لدورات أخرى من الصراع.

ويبقى السؤال الذي سيكتبه التاريخ: هل امتلك السودانيون شجاعة بناء دولة جديدة من بين الركام، أم سيكتفون بترميم جدران دولة انهارت تحت ثقل أزماتها؟

إن مستقبل السودان لن تصنعه البنادق وحدها، وإنما سيصنعه وعي جديد يتجاوز ثنائية المركز والهامش، وينتصر للمواطنة على العصبية، وللدولة على السلطة، وللإنسان على مشاريع الحرب.

فالأوطان لا تُبنى بالثأر، ولا تُحفظ بالانتقام، وإنما تُبنى بالعدالة، وبالقدرة على التعلم من التاريخ، وبالشجاعة في تأسيس مستقبل لا يشبه الماضي.

آدم الحاج أديب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!