رأي

وزارة الثقافة تصنع الوعي وتصون ذاكرة الامة

نجم الدين دريسة 

 

 

نجم الدين دريسة 

“المعركة الكبرى في كل مشروع تأسيسي هي معركة الوعي.”

ليست وزارة الثقافة مؤسسةً تُعنى بتنظيم الفعاليات، أو إدارة المسارح والمهرجانات، أو الإشراف على دور النشر والمتاحف فحسب، وإنما هي المؤسسة التي تتولى تشكيل الوعي الجمعي، وصناعة السردية الوطنية، وصيانة الذاكرة التاريخية، وحماية الهوية من التآكل والتشويه. فهي الوزارة التي تُعرِّف الشعوب بنفسها، وتمنحها القدرة على قراءة ماضيها، وفهم حاضرها، واستشراف مستقبلها. ولهذا فإنها، في أزمنة التحولات الكبرى، تصبح وزارة تأسيس بامتياز، لا تقل أهمية عن مؤسسات الأمن والاقتصاد والعدالة، بل قد تتقدم عليها جميعاً لأنها تصنع الإنسان الذي يبني تلك المؤسسات ويحميها.

إن الدول لا تُبنى بالقوانين وحدها، ولا بالجيوش وحدها، ولا بالموازنات العامة وحدها، وإنما تُبنى أيضاً بالأفكار التي يؤمن بها الناس، والقيم التي يتربون عليها، والرموز التي يلتفون حولها، والقصص التي يروونها عن أنفسهم. وهنا يكمن الدور الاستثنائي لوزارة الثقافة؛ فهي ليست حارسة للماضي فقط، وإنما مهندسة للمستقبل، تحفظ التراث من الضياع، وتمنح الإبداع فرصةً ليصبح قوةً منتجة للمعرفة، ومصدراً للتماسك الاجتماعي، وجسراً يعبر بالمجتمع من آثار الحرب والانقسام إلى آفاق السلام والاستقرار.

وفي لحظات التأسيس، تصبح الثقافة خط الدفاع الأول عن الدولة الجديدة. فهي التي تواجه خطاب الكراهية بخطاب التعدد، وتنتصر للتسامح في مواجهة التعصب، وتعيد الاعتبار للإنسان بوصفه القيمة العليا في مشروع الدولة. كما أنها تمتلك القدرة على ترميم ما هدمته الصراعات، ليس بالحجارة والإسمنت، وإنما بإعادة بناء الثقة بين الناس، وإحياء الشعور بالانتماء، وإنتاج سردية وطنية جامعة تتسع للجميع دون إقصاء أو تمييز.

ومن هنا، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى حكومة السلام الانتقالية، بقيادة رئيس الوزراء الأستاذ محمد الحسن التعايشي، هي أن وزارة الثقافة ليست حقيبة عادية يمكن التعامل معها بمنطق التوازنات السياسية أو المحاصصات التنظيمية، وإنما هي إحدى أهم وزارات مرحلة التأسيس، لأنها ستكون مسؤولة عن تشكيل وجدان الدولة الجديدة، وصناعة خطابها، وحفظ ذاكرتها، وتوجيه قوتها الناعمة نحو المستقبل.

إن اختيار وزير الثقافة لا ينبغي أن يخضع لأي معيار سوى معيار الكفاءة الفكرية، والعمق الثقافي، والقدرة على إدارة مشروع وطني واسع يعيد الاعتبار للإبداع بوصفه شريكاً في بناء الدولة. فالوزارة تحتاج إلى شخصية تمتلك رؤية حضارية، وتفكر بعقل استراتيجي، وتؤمن بحرية الإبداع، وتفهم أن الثقافة ليست نشاطاً موسمياً، وإنما مشروع دائم لإنتاج الوعي.

فالوزير القادم لا ينبغي أن يكون مجرد مدير ملفات، بل قائداً لمشروع ثقافي شامل، يعيد الحياة إلى المؤسسات الثقافية، ويطلق طاقات الشباب، ويربط الثقافة بالتعليم، والإبداع بالاقتصاد، والتراث بالتكنولوجيا، والفنون بالتنمية المحلية، حتى تصبح الثقافة قوةً اجتماعية واقتصادية وحضارية مؤثرة في حياة الناس.

كما أن الوزارة مطالبة بإعادة الاعتبار للمكتبات العامة، والمسارح، والمراكز الثقافية، ودور النشر، وبرامج القراءة، والفنون البصرية، والسينما، والموسيقى، والحرف التقليدية، والآداب، باعتبارها أدوات لإنتاج الوعي، لا مجرد وسائل للترفيه. وهي مطالبة أيضاً بأن تجعل الثقافة حقاً متاحاً لكل مواطن، يصل إلى المدن والقرى والأرياف والمناطق البعيدة، لأن الثقافة التي تبقى حبيسة النخب تفقد رسالتها الوطنية.

وفي عصر التحولات الرقمية، يصبح من الضروري أن تقود الوزارة مشروعاً وطنياً لرقمنة الذاكرة الثقافية، وإتاحة المعرفة، ودعم المحتوى الإبداعي، وتشجيع الصناعات الثقافية والإبداعية بوصفها أحد أهم قطاعات الاقتصاد الحديث. فالفن، والكتاب، والمسرح، والسينما، والتصميم، والحرف، والمحتوى الرقمي، لم تعد مجالات جمالية فحسب، بل أصبحت قطاعات إنتاجية قادرة على توفير فرص العمل، وتعزيز صورة الدولة، وبناء تأثيرها الحضاري خارج حدودها.

وإذا كانت حكومة السلام الانتقالية قد أعلنت أن مشروعها هو مشروع تأسيس لا ترميم، فإن الثقافة يجب أن تكون في قلب هذا المشروع. فالتأسيس الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان، والإنسان لا يُبنى إلا بالمعرفة والجمال والحرية والمسؤولية. ولهذا فإن وزارة الثقافة مطالبة بصياغة السردية الوطنية الجديدة، التي تعترف بتنوع المجتمع، وتحترم تعدد روافده، وتؤسس لمفهوم المواطنة بوصفه الجامع الأكبر بين جميع أبنائه.

ولعل أكثر ما يبعث على التفاؤل أن التحالف السياسي العريض الذي يقود هذه المرحلة يضم عدداً كبيراً من المفكرين والمثقفين والأكاديميين الذين يمتلكون الخبرة والرؤية القادرة على قيادة هذا المشروع الحضاري. ومن بين هذه الأسماء، على سبيل المثال لا الحصر، الدكتور النور حمد، والدكتور الوليد مادبو، والدكتور خالد كودي، والدكتور أبكر آدم إسماعيل، والمحامي حاتم إلياس، والأستاذ أحمد السوار، وغيرهم كثير ممن أثروا الحياة الفكرية والثقافية بإنتاجهم وإسهاماتهم. وذكر هذه الأسماء ليس دعوة لتزكية أفراد بعينهم، وإنما للتأكيد على أن البيئة السياسية والفكرية تمتلك من الكفاءات ما يجعل اختيار قيادة ثقافية استثنائية أمراً ممكناً إذا كانت الأولوية للكفاءة والرؤية.

إن وزارة الثقافة في زمن التأسيس ليست وزارة احتفالات، وإنما وزارة بناء الإنسان، وصناعة الوعي، وحماية الذاكرة، وإنتاج المعنى. وهي المؤسسة التي ستحدد كيف ستروي الأجيال القادمة قصة هذه المرحلة، وكيف ستفهم تضحياتها، وكيف ستصوغ صورتها عن الدولة التي وُلدت من رحم التحولات الكبرى.

ولهذا فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في من يشغل المنصب بقدر ما يكمن في طبيعة المشروع الذي يحمله. فإذا أُسندت هذه الوزارة إلى عقلٍ مستنير، ورؤيةٍ وطنية، وخبرةٍ ثقافية، فإنها ستصبح إحدى أهم ركائز نجاح حكومة السلام الانتقالية، وستؤدي دورها في بناء مجتمع متصالح مع نفسه، واثق من هويته، ومنفتح على المستقبل.

إن التاريخ يعلمنا أن الدول العظيمة لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرقٍ وجسور، وإنما بما تبنيه في عقول أبنائها ووجدانهم. والثقافة هي الجسر الذي تعبر عليه الأمم من الذاكرة إلى المستقبل، ومن آثار الحرب إلى أفق السلام، ومن التشتت إلى الوحدة. لذلك فإن نجاح مشروع التأسيس يبدأ من هنا، من الوزارة التي تصنع الوعي، وتحرس ذاكرة الأمة، وتمنح الدولة روحها قبل أن تمنحها صورتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!