
نجوي بابو
أخطر ما يمكن أن تفعله أي منظومة هيمنة ليس فقط أن تفرض سيطرتها على الشعوب والمجتمعات، بل أن تنجح في تحويل بعض أبنائها إلى مدافعين عنها. فحين يقف أبناء الهامش في صف المركز الذي ساهم في تهميشهم، لا يكون الصراع قد انتهى، بل يكون قد انتقل إلى مستوى أكثر تعقيداً: صراع الإنسان مع وعيه، ومع تفسيره لموقعه في التاريخ.
هذه الظاهرة ليست جديدة، فقد عرفت المجتمعات عبر التاريخ حالات أصبح فيها بعض أبناء الفئات المقهورة جزءاً من المنظومة التي قمعتها. ليس لأنهم فقدوا إنسانيتهم أو لأنهم اختاروا دائماً طريق الخيانة، بل لأن القوة لا تعمل فقط عبر السيطرة المباشرة، وإنما عبر صناعة المصالح، وتشكيل الوعي، ومنح بعض الأفراد فرصاً تجعل ارتباطهم بالمركز أقوى من ارتباطهم بقضايا مجتمعهم.
الافتراس الذاتي يبدأ عندما يفقد الهامش ثقته بنفسه، وعندما ينجح المركز في تقديم نفسه باعتباره المصدر الوحيد للنجاح والاعتراف والقيمة. عندها يصبح الانتماء إلى المركز حلماً، ويصبح الابتعاد عن الهوية الأصلية شرطاً للترقي الاجتماعي. قد يجد الفرد نفسه مضطراً إلى إثبات أنه مختلف عن مجتمعه، وأنه لا يشبه أولئك الذين بقوا في دائرة الفقر أو الإقصاء، وكأن طريق النجاة يمر عبر إنكار الجذور لا عبر تغيير الظروف.
المشكلة هنا ليست في طموح الإنسان أو رغبته في تحسين حياته، فهذا حق طبيعي. المشكلة تبدأ عندما يتحول النجاح الفردي إلى قطيعة مع الجماعة، وعندما يصبح الوصول إلى موقع القوة سبباً للدفاع عن النظام الذي منع الآخرين من الوصول إلى المكان نفسه.
إن المركز لا يحتاج دائماً إلى القوة العسكرية أو القمع المباشر حتى يستمر. أحياناً يكون أكثر نجاحاً عندما يجعل الهامش يتبنى منطقه، وعندما يقنع بعض أبنائه بأن المشكلة ليست في بنية السلطة أو توزيع الثروة، بل في المجتمع المهمش نفسه. عندها يتحول الصراع من مواجهة الظلم إلى لوم الضحية، ومن المطالبة بالحقوق إلى البحث عن استثناءات فردية.
أبناء الهامش الذين يصلون إلى مواقع النفوذ حالة شديدة التعقيد. فقد يكون وجودهم فرصة لإحداث تغيير حقيقي، وقد يكون في حالات أخرى مجرد عملية تجميل للنظام القائم. فالمركز قد يسمح ببعض الوجوه الجديدة، لكنه لا يغير بالضرورة القواعد التي تنتج التفاوت. يصبح التنوع في الواجهة، بينما تبقى مراكز القرار والثروة مغلقة أمام الأغلبية.
وهنا يظهر السؤال الصعب: هل دخول أبناء الهامش إلى مؤسسات المركز يعني انتصاراً للهامش أم انتصاراً للمركز؟ الإجابة لا تتعلق بالموقع الذي يشغله الفرد، بل بالدور الذي يؤديه داخله. فمن يستخدم موقعه لفتح الأبواب أمام الآخرين يختلف تماماً عن من يستخدمه لإغلاقها بعد أن دخل.
لا يمكن تجاهل أن الحاجة قد تدفع الإنسان إلى اختيارات تبدو متناقضة مع مصلحة جماعته. فعندما تكون فرص التعليم والعمل والثراء مرتبطة بالمركز، يصبح الاقتراب منه خياراً واقعياً وليس مجرد موقف فكري. الفقر لا يترك للناس دائماً رفاهية الاختيار، والحرمان الطويل قد يجعل البعض يرى في التحالف مع الأقوى طريقاً وحيداً للحياة الكريمة.
لكن المجتمعات لا تتغير عندما ينجح عدد قليل من أفراد الهامش في عبور الحدود نحو المركز، بل عندما تتغير الشروط التي جعلت العبور الفردي هو الحل الوحيد. فالمطلوب ليس منع الأفراد من الصعود، بل تحويل هذا الصعود إلى قوة جماعية تعيد توزيع الفرص والاعتراف والسلطة.
إن ظاهرة الافتراس الذاتي تذكرنا بأن معارك التحرر لا تُخاض فقط ضد قوة خارجية، بل أيضاً ضد الأفكار التي تترسخ داخل الإنسان نتيجة سنوات من الإقصاء. فالمركز ينتصر مرتين: مرة عندما يهمش المجتمع، ومرة عندما يقنع بعض أبنائه بأن هذا التهميش طبيعي أو مستحق.
ولهذا فإن استعادة الهامش لكرامته لا تبدأ برفض الآخر فقط، بل بإعادة بناء الثقة بالذات، وبإدراك أن الوصول إلى القوة لا يجب أن يعني الانفصال عن الجذور. فالقضية الحقيقية ليست أن يصبح أبناء الهامش جزءاً من المركز، بل أن يصبحوا قادرين على تغيير العلاقة بين المركز والهامش، بحيث لا يبقى أحد فوق أحد، ولا يبقى مجتمع أسيراً لدور التابع في وطنه وتاريخه.




