
دكتور النور حمد
تتسم النخب المصرية العسكرية التي تشكل الطبقة الحاكمة، وغالبية النخب السياسية والأكاديمية والصحفية والثقافية التي وظفت نفسها لخدمة تلك الطبقة الحاكمة، ببنيةٍ عقليةٍ غاية في الغرابة. وأعني هنا تحديدًا ما يتعلق بالنظرة نحو السودان. لقد ورثت هذه النخب المصرية المتنوعة، الأطماع الاستعمارية الخديوية التي دفعت بمحمد علي باشا إلى غزو السودان في عام 1821م. ولقد كان الغرض المعلن لذلك الغزو الخديوي حيازة ذهب السودانيين وثرواتهم الأخرى بقوة السلاح، واسترقاق رجاله، خاصةً من ذوي البشرة السوداء، وتوظيفهم سخرةً في الجيش الخديوي الذي كان يحارب الوهابيين آنذاك في الحجاز.
منذ تلك الحقبة المظلمة، انغرست وترسخت في عقول هذه النخب المصرية نزعة الطمع والرغبة في الاستحواذ على ثروات السودان، بل وابتلاعه بالكلية. وقد بقيت تلك النزعة كما هي على مدى قرنين ويزيد قليلا. فهي لم تتغير رغم انقضاء حقبة الاستعمار التقليدي وانحسارها عن كل أرجاء الكوكب. كما بقيت أيضًا على ما هي عليه، رغم التقدم في التعليم الحديث ورغم تطور مفاهيم السيادة وانتشار الثقافة المتعلقة بحقوق الشعوب. وأزعم أن هذه النزعة ليست قاصرة على نخب مصر وحدهم، وإنما منتشرةٌ أيضًا وسط السواد الأعظم من الشعب المصري والتي يحتك بها السودانيين حين يستخدمون سيارات الأجرة في مصر.
في تقديري أن ظاهرة الاستحقار والاستضعاف التي تظهر في مسلك أغلبية المصريين تجاه السودانيين قد نتجت تاريخيًّا من حالة الاستعباد التاريخية الطويلة التي عاشها الشعب المصري طيلة تاريخه. فالمصريون الذين يتكاثرون بمعدلاتٍ لا تتناسب مع ما يمكن أن تمنحه بيئتهم يواجهون الآن تحديًا وجوديا. فهم عاشوا منذ آلاف السنين في أراضٍ زراعيةٍ محدودة المساحة وبيئة صحراويةٍ شحيحةٍ لا يتحقق فيها كسب العيش إلا بشق الأنفس. ويجري ذلك، على ما فيه من عنتٍ ومشقة، في نطاقٍ ضيقٍ لا يتعدى مجرى النيل والدلتا. أيضًا، لم يحكم المصريون أنفسهم قط، منذ نهاية حكم الأسر القديم، حتى حدوث ثورة الجيش التي قادها كلٌّ من محمد نجيب وجمال عبد الناصر في 1952 ضد العائلة الخديوية المالكة. وهي عائلة وفدت من ألبانيا في حقبة التمدد العثماني في منطقة البلقان. تلك الحالة الطويلة من الحكم الأجنبي وما اتسمت به من قهر واستعباد، جعلت من الوعي بالطبقة وبالتراتبية الطبقية المرتبط بحيازة الثروة والسلطة، ظاهرةً مستحكمةً وسط المصريين. وهي حالة لا أظن أن لها شبيهًا في أي مكانٍ آخرٍ في العالم، ربما تقاربها في ذلك بعض أجزاء الهند. وعمومًا فإن بعض الشعوب التي مورس عليها الانتهاك والإذلال تصبح هي نفسها ميالة للانتهاك والإذلال تجاه غيرها. فالانتهاك والإذلال في المجتمعات البشرية يسريان عادةً من أعلى الهرم الاجتماعي إلى أدناه، وفقًا لوضع كل فئةٍ أو فردٍ في سلم التراتبية المتعلقة بالوضع الاجتماعي. كما أن من يعش لفتراتٍ طويلة جدًا تحت نير القهر والاضطهاد، كما عاش الشعب المصري، يصبح، هو نفسه، أكثر عرضةً لأن تضعف لديه حاسة العدل والانصاف.
الاستثمار في مأساة السودانيين
على أثر حالة النزوح الضخمة للسودانيين إلى مصر، التي تسببت فيها الحرب الكارثية الجارية التي أشعلها الإخوان المسلمين وجيشهم في 15 أبريل 2023، لم تقم مصر، مثلما تفعل عديدٌ من الدول، بإنشاء معسكراتٍ للاجئين من سودانيين وغيرهم. ورغم أن استضافة اللاجئين السودانيين داخل المدن المصرية قد أحيطت بدعاوى النبل ورعاية الأخوة واعتبار المكانة الخاصة للسودانيين لدى الشعب المصري، كما تردد الأبواق المصرية، إلا أن سببها الأساس هو الاستثمار الاقتصادي في محنة السودانيين ومأساتهم. فالسبب الحقيقي، في نظري، وهو أمرٌ تدعمه الشواهد والأرقام، هو مص ما لديهم من عملةٍ حرة التي ومن مدخرات ثمينة أتوا ليواجهوا بها المجهول في هذا النزوح الملحمي غير المسبوق في التاريخ.
لم تقم مصر مراكز إيواء للاجئين تشرف عليها الأمم المتحدة لكي يتجه السودانيون إلى استئجار الشقق في المدن المصرية وليقوم المقتدرون منهم بشرائها وهو أمر ظلوا يقومون به منذ وقت طويل. (ذكر مسؤول مصري أن قيمة الاستثمارات العقارية السودانية في مصر تصل إلى 20 مليار دولار). إلى جانب ما تقدم، فإن هؤلاء اللاجئين سوف ينفقون بأنفسهم على أنفسهم في معيشتهم؛ فيدفعون الفواتير المختلفة ويتعالجون ويتعلمون بالعملات الصعبة. الأمر الذي سوف يرفد الاقتصاد المصري بفيضٍ من العملات الصعبة، كما سوف ينعش ذلك بالضرورة السوق المصرية الداخلية. ويعلم المصريون أن السودانيين شعب متكافل وسوف يقوم الأقارب الذين يعيشون في دول الخليج وأوروبا وأمريكا وأستراليا سوف يسهمون في مد ذويهم بالعملات الصعبة ما استطاعوا.
النصب عبر “الموافقة الأمنية”
بعد أن انهالت جموع السودانيين على مصر هربًا من الحرب، تفتقت العقلية الاستحواذية الاستغلالية المصرية عن فكرة جهنمية، لم يسبقها عليها أحد من العالمين. تمثلت تلك الفكرة الجهنمية فيما أُسمته السلطات المصرية “الموافقة الأمنية” التي يدفع فيها طالب فيزا الدخول مالاً طائلا إلى جانب رسوم الفيزا المعتادة والمعروفة في كل الدول. وقد تصاعدت رسوم تلك الموافقة الأمنية حت بلغت ف بعض الأحيان 3500 دولارًا. وقد جرى ذلك بزعم أن السلطات المصرية ترى ضرورة التحقق من أن الشخص الطالب لسمة الدخول إلى مصر، لا يمثل خطرًا على أمن مصر. بهذه الأسلوب جمعت مصر مليارات الدولارات من السودانيين الذين شردهم نظام الإخوان المسلمين الذي أشعل الحرب وشرد المواطنين مدفوعًا بصورةٍ كاملة من النظام المصري. تقول مصر إن أعداد اللاجئين الذين وفدوا إليها قد بلغ 10 ملايين؛ من سودانيين وسوريين وغيرهم. ولو نحن حسبنا ما دفعته هذه الملايين العشرة من اللاجئين نظير الحصول على الموافقة الأمنية، فإن الناتج الكلي سيكون حوالي 24 مليارًا ونصف من الدولارات. والعجيب أن الحكومة المصرية ادعت أمام العالم رغم هذا الابتزاز الذي قامت به تجاه اللاجئين، أن استضافة اللاجئين قد كلفتها 10 مليارات من الدولارات! والأعجب، أن الحكومة المصرية بعد أكملت حلب جيوب السودانيين على مدى ثلاث سنوات، أشعلت ضدهم حرب كراهية عرقية مقيتة شعواء، فأخذت قوات أمنها تقتحم الشقق وتبتز كما اكتظت مراكز الشرطة بالمحتجزين الذين مات بعضهم بسبب سوء الأحوال في مراكز الاحتجاز. وقد تزامنت حملة إبعاد اللاجئين السودانيين من مصر مع رغبة حكومة بورتسودان الإخوانية التي تأتمر بالأوامر المصرية، في عودتهم، لكي يصبح في وسعها أن تقول إن الأحوال في السودان قد استقرت تماما.
عجائب التنمُّر المصري
لقد أخرجت هذه الحرب أسوأ ما يكنه المصريون تجاه السودان والسودانيين. وقد ارتفعت في الأسابيع القليلة الماضية، وسط عديد من المصريين الذين يملؤون أقنية الميديا ضجيجًا، نبرةٌ تتلخص في ضرورة الاستلاء بصورةٍ نهائية على السودان وليبيا، أو حسب مناداة بعضهم “استرجاعهما” بوصفهما جزءًا لا يتجزأ من مصر. ومعلومٌ أن السودان، بخاصة، قد ظل يمثل في المخيال المصري، منذ بداية الاستعمار الخديوي، امتدادًا لمصر. وهذا ما جعل مصر تستولي على حلايب وشلاتين عام 1995 وتتمدد في مناطق الذهب في فترة الحرب الجارية الآن إلى حد قصف المعدِّنين الأهليين السودانيين، داخل حدود بلادهم، بالطائرات وإطلاق النار عليهم بالمدافع الرشاشة ليخلوا لها المكان لنهب الذهب السوداني. وقد قضى نحبه في تلك الهجمة الغادرة المئات من المعدنين الأهليين وصمتت عن ذلك حكومة البرهان والإخوان المسلمين صمت القبور. بل رشح ما يفيد أن الأمر جرى باتفاق بين الحكومة المصرية والبرهان.
لقد ظلت مصر تعمل منذ اندلاع ثورة ديسمبر 2018 على إجهاضها والإبقاء على العسكر في السلطة. كما علمت على إطالة أمد الحرب. فقد منحتها الحرب فرصة لنهب الموارد السودانية لم تجدها في كل تاريخها. وقد ظلت الشاحنات المصرية تذهب إلى العمق السوداني لنهب موارد السودان من مواشي وسمسم وذرة وصمغ وكركديه وذهب وأخشاب وغيرها. بل إن شراءها يجري من المنتجين السودانيين بعملة سودانية مزيفة. وقدتم ذلك بموافقة الفريق البرهان الذي قايض الدعم المصري له للبقاء في السلطة بالسيادة السودانية والموارد الثرة السودانية.
إزاء هذا الوضع أقام السودانيون ما أسموه في بداية الأمر “ترس الشمال” الذي تمثل في اعتراض الشاحنات المصرية التي تتجه يوميًا من مختلف بقاع السودان نحو مصر وهي محملة بمختلف السلع الأولية السودانية التي يمكن أن نقول بكل اطمئنان أنها مسروقة لكونها مشتراة بعملة يجري تزييفها في مصر. وبالفعل كشف هذا الترس عمليا عبر سنوات الحرب، النهب المستمر للمواد الأولية السودانية وإدخالها إلى مصر، كما كشف شحنات العملة المزيفة التي تأتي من مصر.
مؤخرًا جرى تغيير اسم هذا الترس ليصبح “ترس السودان” الذي نحج فعلا في إبطاء عمليات النهب اليومية. فاختنقت المصانع التي أنشئت خصيصًا لاستقبال المواد الأولية السودانية المنهوبة. ونتيجة لذلك، ارتفعت الأصوات المصرية داعية إلى التدخل المصري لحسم هذا الأمر وكأن السودان ضيعة مصرية. وسبب الشكوى حسب ما ذكره بعض الكتاب المصريين، أن هذا التعطيل أدي إلى إرباك وتيرة سلسلة التوريد وخلق ندرة جعلت أسعار اللحوم في مصر ترتفع ارتفاعًا كبيرًا. كما جعل المصانع المصرية تفشل في الإيفاء بالشروط التي التزمت وفقها بإيصال تلك المواد إلى الشركات الأوروبية وغيرها. فتصور عزيزي القارئ المدى الذي أوصل إليه البرهان والإخوان المسلمون السودان وشعبه، من حيث انتهاك السيادة واستباحة الموارد. تصور، عزيزي القارئ بلدًا، وأعني هنا مصر بالطبع، يبرم عقودًا مع شركات غربية لتصدير سلعٍ لا ينتجها، وإنما ينتجها بلدٌ آخر. بل ويبرم عقودًا تتضمن شروطَا جزائيةً قاسيةً إن هو أخل بتلك الشروط ما يدل أن موارد ذلك البلد الآخر قد أصبحت تمامًا في قبضته، وأنها لن تخرج منها قط. لقد أخذت مصر تتصرف وكأن السودان محافظة مصرية تابعة لها.
خلاصة القول، أن مصر، بعد أـن استحوذت في الفترة الاستعمارية على نصيب السودان في مياه النيل، عملت عبر عشرات السنين على إحداث الانقلابات العسكرية في السودان وخلق حكوماتٍ خادمة لمصر على حساب السودان والسودانيين. وقد أوصلت هذا النهج عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021 على ثورة الشعب، الذي شاركت في تدبيره، إلى درجةٍ غير مسبوقة، وصلت حد الاستباحة الكاملة لسيادة السودان والاستيلاء المجاني، أو شبه المجاني، على موارده. بل، إن استعصاء إيقاف هذه الحرب اللعينة أمرٌ تقف وراءه مصر، مستخدمةً مختلف التكتيكات والذرائع من أجل أن تستمر في استنزاف الموارد السودانية. ولقد حصلت مصر من موارد السودان في فترة هذه الحرب في ظل الارتهان الكامل للفريق البرهان وحكومته الإخوانية لإرادتها، ما لم تحصل عليه منذ الغزو الخديوي للسودان في القرن التاسع عشر. وهناك من الأدلة والإحصاءات ما يدل على كل هذا.
(راجع كتابي: الهيمنة المصرية على السودان).



