رأي

​”كل امرئ يحتل في السودان غير مكانه”: تشريح أزمة “دولة 56” وحرب العودة للسلطة

 

 

 زينب حسن سعيد

​تُشكل مقولة الراحل محمد أحمد المحجوب: “كل امرئ يحتل في السودان غير مكانه.. المال عند بخيله والسيف عند جبانه”، المدخل الأدق والأكثر واقعية لتشريح الأزمة البنيوية التي تعصف بالدولة السودانية. لم تكن هذه الكلمات مجرد رثاء سياسي لتبدل موازين القوى في البرلمان آنذاك، بل كانت إعلاناً مبكراً عن حالة الخلل الهيكلي الذي أسست له النخب التقليدية منذ نيل الاستقلال. تتجسد دلالات هذه المقولة بوضوح في واقعنا السياسي المعاصر عبر ثلاثة محاور رئيسية، شكلت مجتمعة جذور الأزمة السودانية:

​أولاً: اختطاف الجدارة (كل امرئ يحتل غير مكانه)

يمثل هذا المقطع التوصيف الدقيق لمتلازمة الوصاية التي مارستها النخب السياسية والأحزاب التقليدية. لقد صُممت هياكل “دولة 56” لتكون حكراً على دوائر نخبويّة مغلقة، حيث تم إقصاء الكفاءات الوطنية، وتحديداً “إنسان الهامش”، مهما تعاظمت خبرته وعلمه ووعيه الإداري. في هذه المنظومة، أصبح الولاء الطائفي والانتماء الجغرافي هو المعيار الأوحد لتولي المسؤولية، ليبقى أصحاب الكفاءة الحقيقية مبعدين لصالح من يُنصبون أنفسهم “أسياداً للسودان”، ولتُدار مؤسسات الدولة بعقلية الإقطاع بدلاً من عقلية الحوكمة الرشيدة.

​ثانياً: احتكار المقدرات (المال عند بخيله)

يعكس هذا الجزء سياسة الاستحواذ الاقتصادي وتوظيف ثروات البلاد لخدمة شبكات القوى الموازية ومصالح النخب الحاكمة. بدلاً من توجيه الموارد نحو التنمية المتوازنة وبناء القدرات المؤسسية، تم تكديس المال في أيدي فئة ضيقة تفتقر إلى الرؤية الوطنية، فبخلت به على مشاريع البناء والتحديث، واستخدمته كأداة لشراء الولاءات، وتعزيز الامتيازات التاريخية، وإدامة السيطرة على مفاصل الدولة.

​ثالثاً: استرخاص العنف (والسيف عند جبانه)

تتجلى ذروة المأساة في هذا الوصف الذي ينطبق تماماً على واقع الحرب الحالية التي دمرت السودان. إن القراءة المتأنية لجذور الأزمة السياسية تؤكد أن هذه الحرب العبثية التي مزقت النسيج الاجتماعي، ليست سوى النتيجة الحتمية لانسداد أفق النخبة التقليدية. عندما تفتقر هذه النخب إلى الشجاعة السياسية اللازمة لخوض غمار التحول الديمقراطي العادل الذي يهدد امتيازاتها، فإنها تلجأ للجبن السياسي المتمثل في إشعال الحروب.

​في سعيها المحموم للعودة إلى السلطة وحماية مصالحها، تقاطعت أهداف هذه النخب مع مليشيا الإسلام السياسي، ولم يتورعوا عن استخدام العنف المدمر كأداة لاستعادة السيطرة والتمكين. لقد وضعوا أدوات العنف في أيدي من لا يدركون قيمة الأرواح أو حرمة الأوطان، في محاولة يائسة لاسترداد سلطتهم المسلوبة على أنقاض دولة ممزقة وبنية تحتية منهارة.

​خاتمة: تفكيك الشبكات وبناء المؤسسات

إن تفكيك هذه الشبكات غير الرسمية التي ظلت تختطف الدولة لم يعد ترفاً تنظيرياً، بل هو شرط أساسي للبقاء. الأزمة تتطلب إعادة تأسيس الدولة على أسس الحوكمة المؤسسية الصارمة، والمواطنة المتساوية، والشفافية. يجب أن تُبنى مؤسسات وطنية راسخة تضمن أن يوضع المال في أيدي أمينة تستثمره في التنمية، وأن يُحمل السيف بيد قوات مهنية تحتكر العنف الشرعي وتحمي الدستور ولا ترتهن لأجندات مليشيا الإسلام السياسي أو النخب التقليدية، والأهم من ذلك؛ أن يتم تفكيك دولة الوصاية ليحتل كل امرئ مكانه الذي يستحقه بجدارته وعلمه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!