
نجوي بابو
ليس أخطر ما تصنعه الحروب أنها تهدم المدن وتحرق القرى بل أنها تعيد تشكيل ذاكرة الأطفال. فالحروب تنتهي يومًا بتوقيع اتفاق أو بوقف لإطلاق النار أما الذاكرة التي تُولد في معسكرات النزوح واللجوء فإنها قد تبقى حية لعقود وتنتقل آثارها من جيل إلى آخر.
في السودان، لم تبدأ مأساة الأطفال مع الحرب الدائرة اليوم بل تمتد جذورها إلى عقود من الصراعات المسلحة. فمنذ اندلاع الحرب في جنوب السودان عام 1983 وما رافقها من موجات نزوح ولجوء واسعة مرورًا بحروب دارفور منذ عام 2003، ثم النزاعات في جنوب كردفان والنيل الأزرق، وصولًا إلى الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، ظل الأطفال هم الحلقة الأضعف في كل هذه الصراعات. لقد وُلدت أجيال كاملة وهي لا تعرف من الوطن إلا الخيام ولا من المدرسة إلا الذكريات ولا من الأمان إلا ما تسمعه في حكايات الكبار.
إن الطفل الذي ينشأ في معسكر للنزوح أو اللجوء لا يفقد منزله فقط بل يفقد أيضًا الإحساس بالاستقرار ويعيش حرمانًا من التعليم والرعاية الصحية والحياة الطبيعية. أما اليتيم الذي فقد والديه بسبب الحرب فإنه يحمل جرحًا لا يقتصر على الفقد بل يمتد إلى الشعور بانكسار السند وغياب الأمان. وهكذا تتراكم الصدمات النفسية حتى تصبح جزءًا من تكوين الشخصية.
الذاكرة ليست مجرد سجل للأحداث، بل هي الأساس الذي تتشكل عليه هوية الإنسان وعلاقته بالوطن. فإذا كانت ذاكرة الطفولة مشبعة بالخوف والجوع والتهجير والفقد، فإن مفهوم الوطن نفسه قد يرتبط في الوعي بالألم بدلًا من الانتماء، وبالخوف بدلًا من الثقة. وعندئذ يصبح بناء الدولة أكثر تعقيدًا لأن الدولة لا تُبنى بالمؤسسات وحدها بل تُبنى أيضًا بثقة مواطنيها فيها.
لا يمكن تحقيق وحدة وطنية مستدامة إذا نشأت أجيال كاملة خارج المدرسة أو داخل معسكرات النزوح، أو في مجتمعات اللجوء. فالوحدة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات وإنما هي شعور عميق بالعدالة والمساواة والانتماء. ولا يمكن لهذا الشعور أن ينمو في نفوس أطفال حُرموا من أبسط حقوقهم وشهدوا العنف قبل أن يعرفوا معنى المواطنة.
إن استمرار إنتاج أجيال الحرب يعني استمرار إنتاج أسباب الانقسام وعدم الاستقرار. ولذلك فإن أي مشروع لبناء السودان بعد الحرب يجب أن يبدأ من الإنسان، لا من الحجر. ويعني ذلك إعادة الأطفال إلى التعليم، وتوفير الرعاية النفسية والاجتماعية، وحماية الأيتام، ودمج الأطفال النازحين واللاجئين في مجتمع يحترم كرامتهم ويمنحهم فرصًا متساوية للحياة.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودانيين ليس فقط كيف نوقف الحرب بل كيف نمنع انتقال آثارها إلى وجدان الأجيال القادمة. فالأطفال الذين يعيشون اليوم في معسكرات النزوح واللجوء هم الذين سيقودون السودان غدًا. وإذا ورثوا الخوف والكراهية، فسيكون السلام هشًا أما إذا ورثوا التعليم والعدالة والأمل فسيكون المستقبل أكثر قدرة على تجاوز الماضي.
إن مستقبل السودان لا يُكتب في ساحات القتال بل يُكتب اليوم في عيون الأطفال الذين ينتظرون مدرسة بدلًا من خيمة وكتابًا بدلًا من صوت الرصاص ووطنًا يحتضنهم بدلًا من أن يدفعهم إلى المنافي. فحين نحمي طفولة السودان نكون قد وضعنا أول حجر في بناء وطن يتسع لجميع أبنائه وطنٍ لا تقوم وحدته على القوة بل على العدالة، ولا تستند إلى الخوف بل إلى الثقة، ولا يحفظه السلاح بل يحفظه الإنسان.




