رأي

من الفهم إلى التفاهم… لن نبني وطناً بعقلية الإقصاء

محمد إبراهيم الاحمر

 

محمد إبراهيم الاحمر 

ما يعيشه السودان اليوم ليس مجرد أزمة سياسية أو صراع على السلطة، بل هو نتاج خللٍ مزمن في فهم إدارة الدولة والتنوع. فمنذ الاستقلال، هيمنت على الحكم نخب تعاملت مع السودان وكأنه ملكية خاصة، واعتبرت التنوع الثقافي والإثني والجغرافي مصدر تهديد بدلاً من أن تراه رصيداً وطنياً وقوة جامعة. وكانت النتيجة دولة تتوارث أزماتها جيلاً بعد جيل.

لقد تحولت عقلية الإقصاء إلى نهجٍ سياسي راسخ، وأصبح الاختلاف مدخلاً للتخوين، والمطالبة بالحقوق سبباً للاتهام، بينما احتُكرت السلطة والثروة وصنع القرار في أيدي قلة، ما أدى إلى حروب متكررة، ونزوح واسع، وانهيار مؤسسات الدولة، وتآكل النسيج الاجتماعي.

إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس السلاح في حد ذاته، بل الأفكار التي ما تزال تؤمن بأن السودان لا يُدار إلا بمنطق الغلبة، وأن السلام لا يتحقق إلا بإخضاع الآخرين. هذه الذهنية هي التي أنتجت الحروب، وأفشلت اتفاقات السلام المتعاقبة، وأعاقت بناء دولة المواطنة وسيادة القانون.

لن نخرج من دائرة سوء الفهم إلا بالاعتراف بأن جوهر الأزمة لا يكمن في الشعوب، بل في أساليب إدارة الدولة. فلا سلام مع الظلم، ولا استقرار مع التهميش، ولا وحدة وطنية مع احتكار السلطة والثروة، ولا تعايش حقيقي دون مساواة وعدالة وسيادة للقانون.

إن التفاهم لا يعني التخلي عن الهوية أو القناعات، بل يقوم على الاعتراف بأن الوطن يتسع للجميع، وأن الحقوق ليست منحة من أحد، وإنما استحقاق أصيل لكل مواطن. فالتعايش لا يُبنى بالشعارات والخطابات، بل عبر ترسيخ دولة المواطنة، وتعزيز المؤسسات، وتكريس العدالة، وضمان المشاركة المتكافئة.

لقد آن الأوان لطي صفحة الصراع حول من يحكم، وفتح صفحة جديدة عنوانها: كيف نبني دولة تحترم جميع أبنائها؟ فالأوطان لا تحميها القوة وحدها، بل تصونها العدالة، ويعززها الإنصاف، ويجمعها الاعتراف المتبادل بين مكوناتها.

إن الانتقال من الفهم إلى التفاهم ليس خياراً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة وجودية لبقاء السودان نفسه. وإذا لم نتجاوز عقلية الإقصاء والهيمنة، فسنظل ندور في الحلقة ذاتها، تتغير الوجوه، بينما تبقى المأساة مستمرة.

إن مستقبل السودان لن يصنعه المنتصر في الحرب، وإنما يصنعه المنتصر لقيم العدالة والمواطنة والعيش المشترك. فالدول لا تُبنى بالإقصاء، بل بالشراكة، ولا تستقر بالقوة وحدها، بل بسيادة القانون واحترام كرامة الإنسان.

محمد إبراهيم الأحمر

المحامي والناشط الحقوقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!