استخدام الأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً في الصراع السوداني: تقاطعات النفوذ السياسي والهروب من المساءلة الدولية
د. إيلاف وداعة

د. إيلاف وداعة
تتداعى الأزمات في المشهد السوداني وتتضاعف كوارثها الإنسانية مع استمرار وتيرة الصراع المسلح، غير أن البُعد الأكثر خطورة وتدميراً يتمثل في العودة المنهجية لاستخدام الأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً. إن ما شهدته العاصمة الخرطوم وإقليم دارفور ومناطق متفرقة أخرى خلال المواجهات الأخيرة من توظيف لقنابل وغازات سامة، يمثل امتداداً لسلوك عسكري وسياسي متجذر داخل بنية المنظومة المسلحة التي خضعت لسنوات طويلة لتأثير ونفوذ تيار الإسلام السياسي، مما جعل وسائل القتل تتجاوز النماذج التقليدية إلى أدوات الإبادة الجماعية المحظورة.
تفيد الشواهد الميدانية والتقارير الموثقة بإطلاق كبسولات وحاويات غازية تحتوي على مركب غاز الخردل السام، إضافة إلى توسيع نطاق استخدام غاز الكلور في عدة أحياء مأهولة بالسكّان داخل العاصمة. وعلى الرغم من حرص أطراف النزاع على توثيق ونشر العديد من تفاصيل المواجهات لغايات الإعلام والحرب النفسية، إلا أن هناك سيعاً حثيثاً وتكتاً متعمداً على جرائم استخدام الأسلحة الكيميائية، في محاولة مكشوفة لتفادي الغضب الدولي وتجنب الوقوع تحت طائلة القوانين والمواثيق العالمية الناظمة لهذا النوع من الجرائم البشعة.
إن هذه الممارسات لا تمثل حدثاً طارئاً أو معزولاً في تاريخ المؤسسة العسكرية الخاضعة لتلك التأثيرات؛ إذ يعيد هذا المشهد إلى الأذهان الجرائم التي شهدها إقليم دارفور في عام 2016، حينما استُخدمت ذات الأسلحة الكيميائية ضد مدنيين عزل، مما أسفر عن سقوط مئات الضحايا بين قتيل ومصاب بتشوهات دائمية، وكان معظمهم من الأطفال والنساء والضعفاء. واليوم، يتكرر المشهد بنفس أدوات القتل، وضد نفس الضحايا من أبناء الشعب السوداني، وسط صمت مريب من بعض القوى النافذة التي غضّت الطرف عن محاسبة الجاني الذي لم تتغير هوتيه ولا أساليبه.
إن الربط بين التاريخ الجرمي السابق والواقع الحالي يوضح الجذور الممتدة لهذه الانتهاكات داخل بنية عقائدية ومؤسسية لا تورع عن استخدام أعتى الوسائل لحفظ نفوذها. ومن هذا المنطلق بالذات، يُفهم الموقف المتشنج للقيادة العسكرية والحكومية القائمة ورفضها القاطع للتعاطي مع لجنة التحقيق الدولية المتقصية لجرائم الحرب، والتي اقترحتها الأمم المتحدة. إن هذا الرفض لا يعود لأسباب تتصل بالسيادة الوطنية كما يُروج إعلامياً، بل يرجع بالأساس إلى الخشية من تعرية أدلة الانتهاكات الكيميائية وتوثيقها رسمياً، مما يضع القادة والنافذين أمام مواجهة محتومة مع العدالة الدولية والمحاكم الجنائية، ويؤكد حقيقة أن الجريمة واحدة وإن اختلفت مسارحها وزمانها.




