رأي

اجتثاث بنية التبعية وفرض أجندة التأسيس

نجم الدين دريسة 

 

نجم الدين دريسة 

تكشف قراءة الصيرورة التاريخية للعقل السياسي السوداني عبر سبعة عقود من التعثر التنموي والانسداد الهيكلي، عن حقيقة بنيوية ناصعة: إن الأزمات المتناسخة في الرقعة السودانية ليست أخطاء إجرائية أو زلات إدارية، بل هي النتاج الطبيعي لما يمكن تسميته بـ “دولة وكلاء الاستعمار”. هذه الطبقة الأوليغارشية المتنفذة التي استلمت مقاليد السلطة عقب جلاء المحتل الأجنبي، كبلت الجغرافيا والمجتمع بروابط التبعية، واستأثرت بالموارد الرمزية والمادية عبر مركزية قابضة تمارس تمهيشاً مركباً، مما جعل تجريف هذه البنية الثقافية والمؤسسية شرطاً شارحاً لأي معالجة وطنية جادة.

لقد استهلك الفضاء العام كافة صيغ التسويات والتوافقات السياسية الفوقية، غير أن التجربة الممتدة أثبتت أن النخب الحاكمة أتقنت الدوران الخلدوني ونقض المواثيق الدستورية لمصلحة الحفاظ على الامتيازات التاريخية. إن حالة الجفاء المفاهيمي وانعدام الثقة بين أطراف المعادل الوطني لم تأتِ من فراغ، بل هي حصيلة مباشرة لاستعلاء المركز وازدرائه للمطالب المفهومية للأقاليم. ومن هنا، فإن إعادة إنتاج الحلول الجزئية عبر المقاربات المترددة لم تعد سوى نكوص عن مواجهة المعضلة البنيوية، حيث يتطلب المشهد انتقالة مفاهيمية تحرر الإرادة الوطنية من التبعية.

وما يزيد الإشكال عمقاً هو الارتهان البنيوي لهذه الطبقة الوظيفية للمركزية الإقليمية، وتحديداً المحور المصري الذي تعاطى دائماً مع السودان بصفته عمقاً أمنياً أو حديقة خلفية. لقد أُعيد إنتاج المؤسسة العسكرية لتتحول، عبر التسييس والأدلجة المتراكمة، إلى أداة قهريّة تُوظف لحماية مصالح القوى الإقليمية وشركائها في الداخل. إن تصوير هذه المؤسسة كحارس للسيادة ينقضه واقع ممارستها التي اتسمت بضرب المجتمعات المحلية في الهامش والمركز، ونهب الموارد، وإدامة القهر الطبقي لصالح تحالف أصحاب المصالح الضيقة.

وفي هذا السياق المتأزم، تنزلقت البلاد نحو حرب الخامس عشر من أبريل 2023، والتي لم تكن في جوهرها سوى محاولة يائسة لإعادة ترميم جدار دويلة 1956 المتهالك وقطع الطريق أمام التغيير الجذري. إن القراءة المتعمقة لمسار الصراع تؤكد أن أي محاولة لإعادة صياغة المشهد عبر التوافق مع مكونات الأوليغارشية القائمة ستكون مجرد استنساخ أعمى للإخفاق التاريخي. إن مشروع تأسيس الدولة الوطنية المستقلة يتطلب قطيعة معرفية وسياسية كاملة مع دويلة الامتيازات، وإتاحة المجال أمام الكتلة الحرجة لصياغة المستقبل.

إن بناء سودان العدالة والمواطنة المتساوية يستلزم استئصال الركام المؤسسي والمفهومي لدويلة 1956 وركل آثارها إلى الهامش التاريخي. وعلى تشكيلات التغيير وقوى التحالف التأسيسي أن تتجاوز حالة الذهول السياسي، وتدرك أن تغيير موازين القوى لا يتأتى عبر الالتماس والتودد الدبلوماسي، بل عبر التغيير الجذري وفرض إرادة التحرر على الأرض. إن غطرسة الهيمنة المركزية بجميع أدواتها السلطوية لن تنهار إلا بمواجهة حاسمة تجبر القوى التقليدية على الانكفاء، وتفسح المجال لإعادة ترتيب البيت السوداني وفق أفق جديد.

يتجاوز المطلوب حالياً مجرد إجراء تعديلات شكليّة في هيكل الدولة الاحتضارية، لأن الجسد القائم هو ذاته مصدر الداء. إن البناء المطلوب هو انتقال مفاهيمي ومؤسسي كامل من نموذج الدولة الأمنية القمعية إلى نموذج الدولة الحامية لكرامة مواطنيها. يقتضي ذلك تفكيك الاحتكار القسري للمجال العام، وإرساء عقد اجتماعي ينظم العلاقات السلطوية على أسس ديمقراطية لافدرالية صلبة، تضمن التوزيع العادل للسلطة والثروة، وتنهي حالة الاستقطاب العرقي والجهوي التي غذتها العقود الماضية.

إن العقد الاجتماعي المنشود يتجاوز في دلالاته كونه مجرد ترتيب إجرائي لإيقاف الحرب، ليصوغ ميثاقاً تاريخياً يمنع استعادة الدولة من قبل أي جماعة عقائدية أو عسكرية أو مليشيات شمولية. إن توطين مبدأ المواطنة المتساوية يستوجب إخضاع السلطة للدستور، وتحكيم حكم القانون، وجعل صناديق الاقتراع هي المرجعية الوحيدة للشرعية السياسية. وبغير ذلك، فإن التردد في إنجاز التغيير الجذري سيبقي الدولة مجرد ساحة مفتوحة للصراعات الصفرية على الاستئثار بالموارد والسلطة.

وتأتي في مقدمة مرتكزات هذا التأسيس ضرورة بناء جيش قومي مهني عقيدته حماية الوطن والمواطن، مع إنهاء جميع أشكال التعدد العسكري والجماعات المسلحة خارج إطار المؤسسة الرسمية الخاضعة للسلطة المدنية. ويتوازى ذلك مع تطبيق لافدرالية حقيقية تُنهي المركزية الشديدة التي نهبت الأقاليم وعمقت تهميشها التاريخي. كما يجب أن تتوج هذه المسارات بمؤتمر تأسيسي شامل يشارك فيه الجميع لصياغة دستور دائم يجسد التنوع الثقافي والاجتماعي ويصون الحقوق الأساسية دون تمييز.

إن الدول لا تتشكل مجرد رسم للحدود الفسيحة أورفع للرموز والرايات، بل تتأسس حين تصل المكونات المجتمعية إلى إجابة مشتركة ورصينة حول كيفية التعايش السلمي والتشارك في المصير. وحين يغيب هذا التوافق المفاهيمي، تتحول البنية السياسية إلى مأزق دائم يهدد الاستقرار البشري والتنموي. إن التغيير الجذري المرتكز على إرادة الجماهير هو الطريق الوحيد لاستعادة السيادة الوطنية الكاملة على الأرض والموارد، وتوظيف مقدرات البلاد لمصلحة الإنسان السوداني.

تتطلب اللحظة الحالية من الكتلة الحرجة وكافة التشكيلات الوطنية تجاوز القراءات النخبوية التبسيطية والانحياز التام للعمق الشعبي في الهامش والمركز. إن الاستقلال الحقيقي للسودان لن يتحقق داخل الغرف المغلقة للمبادرات الإقليمية المشبوهة، بل عبر إعادة امتداد القرار الوطني وقطع دابر التدخلات الأجنبية. إن إرادة التحرر هي الكفيلة بإسقاط عقلية وكلاء الاستعمار، وإعادة بنائها على قواعد العدالة الاجتماعية الناجعة والمواطنة العريضة.

تخوض الشعوب السودانية اختبارها التاريخي الأكثر تعقيداً بين الانصياع لمنظومة القهر الممتدة، أو الانعطاف نحو أفق التحرر الشامل وتأسيس الدولة الحديثة. إن العزيمة الوطنية الصارمة قادرة على كسر حلقة التبعية وتفكيك دويلة الامتيازات الأوليغارشية. وعندما تتراجع أوهام الوصاية وتخضع القوة لإرادة الشعب، سيبدأ البناء الحقيقي لسودان جديد يقطع مع مآسي الماضي ويؤسس لدولة الحق والكرامة والسيادة الكاملة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!