تقارير وتحقيقات

ايران شبكات مصالح واسعة  .. والسودان من ضمن دائرة الوكلاء

تقرير :  خاص التنوير

بعد التقارير الامريكية الموثوقة عن العلاقات العسكرية واللوجستية بين حكومة الامر الواقع في بورتسودان وايران ، وعلي اثر ذلك صدرت عقوبات امريكية ضد مؤسسات وافراد من الجيش والحركة الاسلامية ، بما يضع السودان ضمن حلقات وكلاء طهران في المنطقة وخاصة بعد التصعيد الكبير في قضايا امن البحر الاحمر ، ومدي توسع النشاط الحوثي وتهديده المباشر علي المملكة العربية السعودية ، وهذا ما دعا الرياض لقيادة حلف بحري للدفاع عن مصالحها المباشرة في البحر الاحمر.

وتشير تقارير اعلامية واستخبارتية الي أهمية خاصة بالنسبة للسودان، ليس فقط لأنها تتناول تطور شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة، وإنما لأنها تضع السودان بصورة مباشرة داخل النقاش حول تمدد هذه الشبكة وانتقالها من نموذج «الدعم الإيراني للوكلاء» إلى شبكة أكثر تعقيداً، تتبادل فيها الجماعات المسلحة المعرفة والتكنولوجيا ومسارات الإمداد فيما بينها.

ويشير تقرير لـ Century International، إلى أن الحوثيين، إلى جانب عناصر من الحرس الثوري الإيراني، قد يكونون يدربون فصائل إسلامية سودانية داخل السودان على تصنيع الطائرات المسيّرة الانتحارية أحادية الاتجاه. كما يشير إلى معلومات باحثين إسرائيليين وليبيين تفيد بأن مواد إيرانية يجري نقلها عبر ليبيا إلى حلفاء لطهران في لبنان والسودان وربما غزة.

هذه الإشارات تكتسب معنى أخطر في ظل الحرب السودانية الحالية. فاستمرار الحرب، وانهيار مؤسسات الدولة، وتعدد الجيوش ومراكز القرار، وعودة شبكات الحركة الإسلامية إلى المجال العسكري والأمني، يمكن أن يحول السودان من مجرد دولة لها علاقات سابقة مع إيران إلى ساحة أو عقدة محتملة داخل شبكة إقليمية أوسع مرتبطة بطهران ووكلائها، وخصوصاً في مجال المسيّرات وطرق الإمداد الممتدة بين البحر الأحمر وليبيا والشرق الأوسط.

ويسلط الضوء الي : أن الحرب المفتوحة والفراغ المؤسسي يسمحان لشبكات سودانية مسلحة، وعلى رأسها فصائل إسلامية بحسب ما يورده المقال، بأن تصبح جزءاً من منظومة عابرة للحدود لنقل السلاح والتكنولوجيا والخبرة العسكرية.

وهنا تكمن أهمية المسألة للسودانيين وللمجتمع الدولي: الحرب لم تعد خطراً على السودان وحده. استمرارها يمكن أن يعيد تشكيل موقع السودان في البحر الأحمر، وأن يفتح الباب أمام تحوله إلى ساحة جديدة من ساحات الصراع بالوكالة المرتبط بإيران ومحورها الإقليمي.

مع استمرار حرب الولايات المتحدة مع إيران، التي دخلت شهرها الخامس، في التطور، جاءت قدرة طهران على مواصلة إلحاق الأذى بالولايات المتحدة وحلفائها مفاجئة لكثير من الاستراتيجيين والمحللين.

فعلى مدى أشهر، قصفت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران بصورة متقطعة بضربات جوية، وقتلتا جزءاً كبيراً من قياداتها العليا. ومع ذلك، أظهرت إيران وحلفاؤها الإقليميون قدرة لافتة على الصمود. فما يزال حزب الله يمثل تهديداً رغم الحملة الإسرائيلية العنيفة في جنوب لبنان، وهاجمت ميليشيات عراقية مدعومة من إيران منشآت النفط والغاز في الخليج، بينما استأنف الحوثيون في اليمن حملتهم ضد السفن التجارية في البحر الأحمر.

وفي الواقع، فإن قدرة الجمهورية الإسلامية وشركائها على الصمود، رغم سنوات من الانتكاسات الظاهرة، تكشف عن خلل أساسي في التفكير الذي قاد إلى الصراع الحالي.

فعندما أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حملتهما ضد إيران في أواخر فبراير الماضي ، استندتا إلى نظرية ظل يروج لها لسنوات دعاة تغيير النظام في الولايات المتحدة واستراتيجيون إسرائيليون: إذا استهدفت واشنطن اقتصاد الجمهورية الإسلامية وقيادتها ومنشآت أسلحتها وخطوط إمدادها الرئيسية بالقوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية، فإنها تستطيع إضعاف النظام الإيراني بصورة قاتلة، وبالتالي توجيه ضربة حاسمة إلى حلفائه.

كانت الفكرة، وفق تشبيه شائع، أن قطع رأس الأخطبوط في طهران سيؤدي إلى ذبول أذرعه المتعددة وموتها..

لكن المحور لم يعد اليوم منظماً كنظام بسيط له نقاط فشل محددة يسهل استهدافها. لقد أصبح أشبه بشبكة كثيفة من الروابط، قادرة على إعادة إنتاج نفسها، حيث يمكن تجميع المعرفة والموارد وحتى عملية اتخاذ القرار في مواقع متعددة وفي الوقت نفسه.

وعندما يُقتل قائد، أو يُقصف مصنع أو مستودع، أو يُقطع طريق إمداد، تتكيف الجماعات المختلفة بسرعة. فتستبدل القائد المقتول، وتسدد النقص في المعرفة الفنية اللازمة لبناء الأسلحة، وتعيد تشكيل خطوط الإمداد عبر مسارات بديلة.

وهذه البنية الأكثر مرونة وتعقيداً هي التي سمحت لحلفاء إيران بالتكيف في السنوات التي أعقبت هجمات حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

فحتى بعد الدمار الهائل الذي ألحقته إسرائيل بحماس وحزب الله خلال حرب غزة، وانهيار نظام الأسد في سوريا، والحملة الجوية الأميركية-الإسرائيلية الضخمة ضد إيران هذا الربيع، بقي المحور في معظمه قائماً.

ونتيجة لذلك، لم يعد بإمكان واشنطن الاعتماد على أدواتها التقليدية القائمة على تصعيد الضغط السياسي والعقوبات والضربات العسكرية.

قد يكون تحقيق هزيمة كاملة لإيران وجماعات المحور أمراً بعيد المنال، لكن الحد من التهديد الذي تمثله ما يزال ممكناً.

وسيتطلب ذلك من الولايات المتحدة وضع استراتيجية إقليمية أكثر شمولاً، تستهدف الشبكات العسكرية والمالية وشبكات المعرفة الدولية المعقدة التي باتت تدعم القوة الإيرانية.

وعلى واشنطن أن تفكر في احتواء إيران وأقوى حلفائها من الفاعلين غير الحكوميين، وربما التوصل إلى صفقات معهم. كما يجب أن تفعل ما يلزم للحد من انتشار التكنولوجيا منخفضة التكلفة المستخدمة في أنظمة الأسلحة الإيرانية وتلك التي تستخدمها جماعات المحور، بما في ذلك الانخراط مع الصين.

قد لا يرضي هذا النهج القادة الأميركيين الذين يريدون نصراً حاسماً ومدوياً في الشرق الأوسط، لكنه يملك فرصة أكبر للنجاح من الاستراتيجية الحالية التي تقوم على ضرب إيران مراراً وانتظار انهيار الجمهورية الإسلامية وشبكة حلفائها في النهاية.

تطوير قدرات المحور

قبل عشرين عاماً، كانت الجماعات التي تعرف اليوم باسم «محور المقاومة» في معظمها حركات تمرد محلية تستخدم تكتيكات وتقنيات حروب العصابات في القرن العشرين.

وبدعم من إيران، كان حزب الله قد برز قوةً في السياسة اللبنانية وخصماً قوياً لإسرائيل، وتمكن من صد اجتياحها عام 2006 باستخدام مخزون من الصواريخ قصيرة المدى البدائية نسبياً وطائرات مسيّرة إيرانية الصنع.

كما قدم حزب الله وإيران دعماً لحماس، التي لم تكن قد سيطرت على غزة بعد.

أما الحوثيون فكانوا آنذاك حركة تمرد صغيرة تختبئ في كهوف شمال اليمن، وما يزال أمامها عدة سنوات قبل أن تتلقى دعماً إيرانياً ذا شأن.

 

 

تتلقى الجماعات المرشحة للانضمام إلى المحور أولاً تدريباً أساسياً، سواء في إيران أو، بصورة متزايدة، في الأراضي التي تسيطر عليها جماعات أخرى من المحور.

أما الجماعات التي تثبت قدرتها في ساحات القتال، فتحصل على أسلحة أكثر تقدماً، من بينها الطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه، التي قد تكون أقل تطوراً من طائرات «شاهد-136» التي تستخدمها إيران نفسها، لكنها تظل قادرة على ضرب أهداف بعيدة عن قواعد تلك الجماعات.

ومنذ عام 2025 على الأقل، على سبيل المثال، زودت طهران جماعات «المقاومة الإسلامية في العراق» بصورة منتظمة بطائرات «شاهد-101» و«شاهد-107»، التي استخدمت خلال الأشهر الستة الماضية لاستهداف القواعد العسكرية الأميركية والبنية التحتية لدول الخليج.

ووفقاً لتقرير Century International، كان الحوثيون بحلول عام 2026 يدربون حركة الشباب الصومالية التابعة لتنظيم القاعدة على تشغيل الطائرات المسيّرة الأساسية في مواقع تدريب داخل اليمن. كما يُحتمل أنهم، إلى جانب عناصر من الحرس الثوري الإيراني، يقدمون التدريب لفصائل إسلامية سودانية على كيفية تصنيع طائرات مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه في مواقع داخل السودان.

ثم، خلال حرب الاثني عشر يوماً في يونيو/ 2025، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل موجات من الهجمات على إيران، وقال قادة في البلدين إنها دمرت دفاعات الجمهورية الإسلامية الجوية وقدرتها على شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

وبعد أشهر، قتلت ضربة إسرائيلية عدداً من كبار قادة الحوثيين في اليمن، بمن فيهم القائد الأعلى لبرامج الطائرات المسيّرة والصواريخ.

وكان مسؤولون إسرائيليون، ومعهم بعض المسؤولين الأميركيين، على ثقة بأن إيران وحلفاءها الإقليميين دخلوا مرحلة انهيار نهائي.

لكن بعد أقل من عام، يبدو أنهم تمكنوا من إعادة بناء قدراتهم.

فقد أطلقت إيران حملة ضخمة من الضربات بالطائرات المسيّرة والصواريخ ضد البنية التحتية الخليجية والمنشآت العسكرية الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط، رداً على عملية «Epic Fury».

كما شنت الميليشيات العراقية مئات الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ ضد القواعد العسكرية الأميركية في العراق والأردن، إلى جانب موجات من الهجمات على دول الخليج.

وأبدى حزب الله مقاومة أقوى مما كان متوقعاً في جنوب لبنان بعد الاجتياح البري الإسرائيلي في مارس/آذار.

 

وبعد عام من موافقة الحوثيين على وقف استهداف السفن التجارية الأميركية، وهي الخطوة التي اعتبرتها إدارة ترامب دليلاً على هزيمتهم، استأنفوا مهاجمة السفن المارة عبر البحر الأحمر، وفرضوا عملياً حصاراً على الموانئ السعودية الواقعة على البحر.

كما استهدفوا البنية التحتية للطاقة في السعودية للمرة الأولى منذ الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة وأوقفت الحرب الأهلية اليمنية في عام 2022.

خط إنتاج ذاتي

أخفقت التوقعات الأميركية والإسرائيلية بشأن هزيمة إيران والمحور في إدراك تحول مهم في الطريقة التي ينظم بها الحرس الثوري وحلفاؤه قدراتهم العسكرية والتنظيمية.

ففي السابق كانت المعرفة العسكرية والتكنولوجية متركزة أساساً داخل الحرس الثوري، لكنها أصبحت الآن موزعة داخل منظومة أكثر انتشاراً وترابطاً.

وحتى في أوائل عام 2025، بعد الانتكاسات في غزة ولبنان وسوريا، وبعد أن صنفت إدارة ترامب الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، تمكنت إيران وجماعات المحور من إعادة بناء نفسها وترساناتها بسرعة عبر الاستفادة من قواعد المعرفة وخطوط الإمداد المتنوعة التي طورتها خلال الخمسة عشر عاماً الماضية.

ويظهر أوضح دليل على هذا التحول في الطريقة التي باتت بها عدة جماعات وكيلة لإيران تسلح نفسها.

عندما بدأنا في عام 2024 التحقيق في كيفية حصول الحوثيين على أسلحتهم، أخبرنا مسؤولون أميركيون وأوروبيون مراراً بأن المصدر الرئيسي لترسانة الجماعة هو الأسلحة المهربة من إيران إلى اليمن على متن السفن الشراعية الخشبية التقليدية المعروفة بـ«الداو».

لكن الحوثيين كانوا بحلول ذلك الوقت قد بدأوا بالفعل في تصنيع أسلحتهم بأنفسهم، مستخدمين سلاسل إمداد لا تقل تعقيداً عن طرق التجارة المحلية والعالمية التي تعبر البحر الأحمر والمحيط الهندي.

كما افترض مسؤولون أميركيون وإسرائيليون أن معظم أسلحة حزب الله تأتي من إيران، وأن انهيار نظام الأسد سيقطع أحد أهم طرق إمداده بالسلاح.

لكن حزب الله، مثل الحوثيين، كان قد أنشأ خطوط إمداد بديلة.

وكان يفترض أن يشكل اعتقال عنصر من حزب الله عام 2024، بعد اكتشاف استخدامه عدداً كبيراً من الشركات الوهمية في إسبانيا وألمانيا لإعادة تصدير قطع الطائرات المسيّرة إلى لبنان، جرس إنذار في واشنطن وإسرائيل بشأن تغير هياكل المشتريات التابعة للجماعة.

فقبل أشهر من انهيار نظام الأسد، كان ذلك العنصر يحاول نقل ما يصل إلى ألفي محرك، وهي كمية تكفي لإعادة بناء أسطول حزب الله من الطائرات المسيّرة إلى المستوى الذي كان عليه قبل عام 2023.

وتساعد خطوط الإمداد الجديدة هذه، التي تتحرك فيها المكونات بصورة منفصلة عبر العالم ثم يتم تجميعها بالقرب من موقع الاستخدام، أيضاً على تحييد استراتيجية أميركية مهمة أخرى لمواجهة إيران ووكلائها: العقوبات وتصنيفات الإرهاب التي تهدد بعقوبات ضد الأفراد المشتبه في تعاونهم مع الجماعات المصنفة.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!