رأي

أحمد تقد في حوار التنوير… ماذا تقول «تأسيس» بين السطور؟

سيبويه يوسف

يمكن قراءة الحوار الذي أجرته صحيفة «التنوير» مع الأستاذ أحمد تقد، الناطق الرسمي باسم تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، بوصفه أكثر من مقابلة حول الراهن السياسي؛ فهو محاولة لشرح مشروع سياسي يتشكل في واحدة من أكثر مراحل الحرب السودانية تعقيدًا.

فـ«تأسيس» لم تعد تتحدث عن الحرب وموازين القوة فقط، بل عن الدولة ومؤسساتها والاقتصاد والخدمات والحكومة وشكل العملية السياسية المقبلة. وبذلك ينتقل الخطاب من سؤال من يملك الأرض؟ إلى السؤال الأهم من يملك حق إدارة هذه الأرض؟

وتقد لا يقدم «تأسيس» بوصفها تحالفًا عسكريًا، بل طرفًا سياسيًا له رؤية لمستقبل السودان؛ إذ يؤكد عدم السعي إلى دولة منفصلة، والتمسك بوحدة السودان، مع طرح حكومة تسييرية وعملية سياسية تبدأ بالهدنة ووقف إطلاق النار وصولًا إلى تسوية شاملة.

لكن هذا الطرح يفتح مباشرة سؤال الشرعية. فالإدارة شيء، والشرعية شيء آخر، ووجود سلطة أمر واقع لا يمنحها تلقائيًا شرعية وطنية أو دولية. ومن هنا تأتي أهمية قراءة الحوار سياسيًا لا إعلاميًا فقط.

من الحرب إلى مشروع الدولة

الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية؛ فقد أنتجت مناطق نفوذ وإدارات ومراكز قرار وشبكات اقتصادية وخدمية وواقعًا اجتماعيًا جديدًا. وقد التقطت «تأسيس» هذا التحول مبكرًا، فاتجه خطابها إلى بناء مؤسسات موازية والحديث عن «حكومة السلام». وبذلك لم يعد المشروع مجرد موقف من الحرب، بل محاولة لبناء بديل مؤسسي. قادر على حفظ الدولة وحماية المواطن وإنتاج مؤسسات قابلة للحياة.

الرسالة الأهم في الحوار

الرسالة الأبرز في خطاب تقد أن «تأسيس» تريد أن تقول للداخل والخارج نحن طرف لا يمكن تجاوزه في أي تسوية قادمة. فالتأكيد على وجود سلطتين وعلى ضرورة التعامل مع الوقائع الجديدة على الأرض هو، في جوهره، محاولة لتحويل السيطرة الميدانية إلى وزن سياسي تفاوضي. لكن السؤال الأكثر حساسية يبقى هل تستطيع القوة العسكرية أن تتحول إلى شرعية سياسية؟ فالقوة تستطيع فرض واقع، لكنها لا تصنع وحدها دولة مستقرة؛ الدولة تحتاج إلى عقد اجتماعي، ومؤسسات، وقبول شعبي، وقواعد دستورية، واحتكار شرعي للسلاح.

الجديد في خطاب «تأسيس»

التطور الأبرز في الخطاب هو الانتقال من إسقاط النظام القديم إلى إعادة تأسيس الدولة، عبر حديث عن العدالة والمواطنة المتساوية وإعادة بناء المؤسسات على عقد اجتماعي جديد. وهو طرح يجد ما يبرره في أزمة الدولة السودانية المتراكمة، لكنه يصطدم بحقيقة أساسية هي ان إعادة تأسيس الدولة لا يمكن أن تتم بواسطة طرف واحد.

فالسودان أكبر من الجيش والدعم السريع و«تأسيس» والقوى السياسية التقليدية. وما لم يدخل هذا التنوع في عملية تأسيس حقيقية، فقد تتحول «الدولة الجديدة» إلى نسخة أخرى من صراع قديم.

ما بين الخطاب والواقع

بين الخطاب والواقع، لا يكفي أن تعلن «تأسيس» تمسكها بوحدة السودان؛ المطلوب ترجمة ذلك في مؤسساتها وعلاقتها بالمجتمع وبقية القوى السودانية. ولا يكفي إعلان الرغبة في السلام؛ بل ما الثمن السياسي الذي تقبل بدفعه من أجله؟ وما الضمانات التي تمنع الدولة الجديدة من إنتاج مركز آخر للهيمنة؟

لماذا الآن؟

وتوقيت الحوار مهم؛ ففي الوقت الذي تتحدث فيه «تأسيس» عن بناء مؤسسات الدولة، تتزايد الضغوط للوصول إلى تسوية سياسية. لذلك يبدو الحوار جزءًا من محاولة تثبيت موقع التحالف قبل التفاوض، في سباق يسعى فيه كل طرف إلى الدخول إلى التسوية بأكبر قدر من الأوراق الأرض والسلاح والإدارة والحلفاء والخطاب السياسي. ومن هنا يمكن قراءة الحوار باعتباره جزءًا من معركة سياسية وسردية موازية للمعركة العسكرية.

السودان أمام السؤال الأصعب

المشكلة ليست في أن يكون لـ«تأسيس» مشروع سياسي، وإنما في قدرة السودانيين على الانتقال من منطق من انتصر؟ إلى منطق كيف نحكم معًا؟ فتسوية تعيد إنتاج موازين القوة لن تنهي الحرب فعليًا، وإقصاء طرف كامل قد يزرع بذور حرب أخرى.

أما التسوية التي تعيد تعريف الدولة، وتضع السلاح تحت سلطة مؤسسات وطنية، وتؤسس للمواطنة المتساوية وتفتح المجال أمام الجميع، فقد تفتح الطريق لإعادة بناء السودان.

وهنا تكمن قيمة حوار أحمد تقد ليس لأنه يقدم الإجابة النهائية، بل لأنه يكشف كيف يفكر أحد الأطراف الفاعلة في السودان الذي يريده بعد الحرب. وهذه الرؤية لا تُقبل أو تُرفض لمجرد مصدرها؛ بل تُناقش وتُختبر وتُقارن

والسؤال الذي سيحسم كل شيء في النهاية ليس من يملك السلاح؟ بل من يملك مشروع الدولة التي يستطيع السودانيون جميعًا أن يعيشوا فيها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!