رأي

الحرب وإبراز الثقافات، وتطبيق العادلة الثقافية.

عدنان الطيب يونس

في بداية الحرب سمعت كلمات وتراكيب لغوية كتيرة وأمثال غاية في الإيجاز والبلاغة كانت غريبة الوقع لدى كثير من الناس مثل:

“ماني خايف. الناس تلخ، الناس لخوهم لخ. فلنقاي. هوانات. شرك أمزريدو. تمطر حصو. مطر بدون براق. أفرزو البيض من الحميض. الغربال الناعم. ولضم. ولضمي. الطق النضيف. دنيا زايلي، وروهم نجوم القايلة”.

هذه أمثال وتراكيب وكلمات من لهجات محلية سودانية، من عمق الأرض وعمق الثقافة السودانية، ومن جوف الشعوب البسيطة الأنيقة الصبورة، من أولئك الذين قطنوا الهامش… وكانوا في الظل بعيدين كل البعد عن الأضواء .

لكن مع هذه الحرب ظهرت مفردات بيئهم وطفت على السطح وبرزت كذلك هويتهم بكل ما تحتويه للآخرين.

قبل كان كثير من الناس يضحكون ويسخرون من تلك اللهجات وذلك التراث الذي لم يألفوه في الوسط والشمال. لكن الحرب قلبت الموازين رأسا على عقب وأبرزت هوية هؤلاء المهمشين بقوة، حيث أصبحت الكلمة سلاحا تعكس هوية صاحبها وتدافع عنها والمعنى يصبح راية تلوح في الآفاق.

اليوم أصبحت تلك اللهجات واقعا رغم أنف الذين أرادوا طمسها واقعا في كل مكان: في الشارع، في التيك توك، الفيسبوك ، وفي جبهات القتال، وفي قلوب الناس.

الحرب عرّت النظام، وعرّت الإعلام

وأخرجت الحقيقة للناس كما هي :

بأن السودان ليس ذا نمط لغوي واحد أو بلد شكله واحد، أو هويته أو لونه واحد بل هي مجموع ألوان وألسن وثقافات وهويات كثيرة تشكل الهوية الكبرى ذات التعدد والتنوع.

صُدم كثير من الناس من رؤية سُحات لأبناء كردفان ودارفور في الصور على المواقع وتساءلوا أسئلة تنم على سطحية قشورية مهوسة بالون والشكل أسئلة على شاكلة:

“معقولة ديل سودانيين؟”

“كيف لونهم فاتح كده؟”

“بيشبهو الحلب!”

“شعرهم ناعم، سبيبي، وسمحين شديد!”اغانيهم سمحة لكن شكلتنا في محلها

“ملامحهم عربية، دمهم عربي… معقولة الناس دي معانا؟”

“وين كانو؟ وليه ما كنا شايفنهم؟”

 

آثار تراث هؤلاء وألسنتهم وشكلهم تعجبا وأسئلة كثيرة في عقول الآخرين أو إخوتهم في الضفة المقابلة، إين كان هؤلاء ومن إين جاؤوا ؟. الإجابة في غاية البساطة

 

كانوا في تعتيم، تغييب، وتهميش مُنظم ،لم يكونوا حاضرين في المشهد أو السطح لا لأنهم غير موجودين. بل لأن الإعلام لم يكن يريد إظهارهم، مما جعل السودان ذا ثقافة أحادية متعالية تفرض على الجميع.

إن هذه الحرب رغم مرارتها كشفت أشياء جميلة حيث انفتحت مكونات السودان على بعضها البعض وأعلت صوتنا نحن أهل الهامش وصار الجميع يعرفون عاداتنا ولهجاتنا وتراثنا ويعجبون به. فقد أرجعت لنا إيماننا بنفسنا، وأرجعت لنا صوتنا، وكلماتنا، ولهجاتنا، وهويتنا وسنظل إلى الأبد فخورين بأنفسنا نتكلم بطريقتنا الخاصة بصوت عالي بتلك الكلمات الجميلة وتراكيب البادية العجيبة ونقول بصوت جهور:” .ماني خايف .دنيا زايلي. هوانات. لخوهم لخ. الفلنقايات..الخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!