تقارير وتحقيقات

الموسم الزراعي بين شح الأمطار وفخ السياسات

البنك الزراعي يؤكد لا فجوة غذائية بفضل الصوامع والمخزون. و اسئلة معلقة وصمت رسمي.

تحقيق  :حنان الطيب
يشهد الموسم الزراعي في السودان أزمة مركبة تهدد الأمن الغذائي الوطني. تتداخل الصدمات المناخية الناتجة عن ظاهرة “النينو” وشُحّ الأمطار، مع انهيار المنظومة التمويلية للبنك الزراعي، وارتفاع أسعار الوقود والمدخلات، لتضع المزارع السوداني أمام واقع قاسٍ يهدد استمرارية الإنتاج. بعيدًا عن الخطاب الرسمي، تكشف أصوات المزارعين من القضارف
والبطانة وحوض الرهد ولاية سنار عن معاناة يومية تتطلب حلولًا عاجلة.
يهدد الإنتاج..
يقول مزارع من ولاية القضارف – تحفظ عن ذكر اسمه إن قلة الأمطار الناتجة عن تأثير ظاهرة المناخ المعروفة بـ النينو أثرت بشكل شديد جدًا على معدل الهطول هذا الموسم. الأمر أدى إلى تقليص مساحات السمسم والقطن وزهرة الشمس، وهي المحاصيل النقدية الأساسية في الزراعة المطرية. عادةً ما تعتمد التركيبة المحصولية على الذرة الرفيعة والسمسم والقطن وزهرة الشمس والفول السوداني، لكن هذا الموسم مختلف تمامًا، إذ يواجه المزارعون واقعًا قاسيًا يهدد إنتاجهم.”
عدم التمويل
يضيف اكبر تحديات الموسم عدم توفر التمويل من البنوك في الوقت المناسب لمساعدة المزارعين على ترتيب أوضاعهم والتحضير لتفادي آثار النينو. هناك مناطق حتى الآن تعاني من العطش، ويمكن أن نفقد المحصول في أي مرحلة. البنك الزراعي لا يملك سيولة حتى الآن ، لا نقدًا ولا إلكترونيًا.تم تمويل المزارعين والمبالغ لم تخرج من البنك لتساعد في تشغيل العمليات الفلاحية المطلوبة في مواعيدها. هذا العجز هو أكبر عامل لفشل الموسم الزراعي.
سياسة الدولة
يؤكد ان الأمن الغذائي أصبح مهددًا بسبب شح الأمطار وتقليص المساحات الزراعية وغلاء الأسعار بفعل التضخم وارتفاع تكلفة الإنتاج.موضحا ان الموسم السابق كان أفضل، الأمطار مستقرة والإنتاجية عالية، إلا أن الأسعار كانت منخفضة في بداية الحصاد كالعادة طلع المزاد من البيع بأسعار مجزية .وخسر المزارع لأن الدولة لم توفر آلية تسويق عادلة، فباع بأسعار بائسة، بينما ارتفعت الأسعار لاحقًا عندما أصبحت المحاصيل بيد التجار والشركات. قائلا سياسة الدولة في بيع الذرة لبرنامج الغذاء العالمي عبر التجار بدلًا من المزارعين حرمتنا من استرداد تكاليف الإنتاج. أما السياسة التمويلية للبنوك فهي غير موصفة للمزارع، ولا تحمل أي رؤية لدعم سياسة دولة لتطوير الموارد الزراعية كقاعدة أساسية.
هناك مهدد
فيما يلي وقاية النباتات لمجابهة مكافحة الآفات اتضح تماما عجز ها الموسم الماضي في محاربة الفار الافة التي اضرت الموسم السابق بمحصول الذرة في المنطقة الشمالية الغربية القضارف والبطانة هي أكثر المناطق انتاج لمحصول الذرة الرفيعة والسمسم. ومكافحة الجراد في المناطق الجنوبية وحوض الرهد ومع شح الأمطار لهذا الموسم مازال تهديد الفار قائم. ولم تظهر ملامح الوقاية حتى الآن. نحن كمزارعين نشعر أن الدولة غائبة عن الميدان. لا توجد إرشادات زراعية، ولا تقنيات حديثة تساعدنا على تقليل الخسائر، ولا سياسات تحمينا من الأعسار. كل شيء متروك للمجهود الشخصي، بتكاليف باهظة جدًا،
يؤكد أن الأمن الغذائي مهددًا بسبب شح الأمطار، تقليص المساحات، وارتفاع الأسعار بفعل التضخم. قال ان المشكلة الكبيرة التي تهدد الموسم الزراعي هي تأسيس النبات في مساحات واسعة جدًا ومتفرقة بمناطق الزراعة المطرية.بسبب أن الأرض لم ترتوِ بالماء كما ينبغي، رغم أننا تجاوزنا أكثر من 70% من الفترة الزمنية المفترض أن تكون فيها كثافة الأمطار في الوضع الطبيعي. هذا الخلل جعل المحاصيل النقدية مثل السمسم والقطن وزهرة الشمس مهددة بالفشل منذ البداية، لأن التربة لم تصل إلى مرحلة الإشباع المائي المطلوب لنجاح الموسم.
آلة لمص المزارع….
اما عن الجانب الحكومي فحضورة لايتجاوز الاجتماعات والتغطيات الإعلامية لايوجد على الأرض مع المزارع لا إرشاد ولا تقانه ولا سياسات تحمي المزارع من الأعسار..والسياسة التمويلية للبنك الزراعي أصبحت آلة لمص مايملكة المزارع من إنتاج بأقل تكلفة . حتى يقع في فخ المديونية المستمرة ويرحل سنويا الي نقطة الإفلاس والاعسار في المقابل توزع الامتيازات على كبار المستثمرين الذين يسمون أنفسهم مزارعين بينما المنتجون الحقيقيون يواجهون وحدهم شح الأمطار و غياب السياسات الداعمة.
لايتجاوز ١٦ الف
من جانبه قال محمد حسن ولاية سنار : “بدأت الاستعدادات للموسم مبكرة على غير العادة، لكن الخريف تأخر حتى بداية أغسطس، والأمطار لم تكن كافية. في مثل هذا التوقيت من السنوات السابقة يكون السمسم قد نما بصورة كبيرة، أما الآن فما زالت مساحات واسعة لم تقم من الأرض. رغم ذلك نُبقي على بعض الأمل حسب توقعات الأرصاد، كما حدث في موسمي يونيو ويوليو حين لم نزرع لسنتين متتاليتين بسبب ضعف الأمطار، بينما العام الماضي كان مجرد تنظيف للأرض.”ويضيف: “أكبر مشكلة تواجهنا الآن هي الوقود، تضاعف أسعاره بصورة كبيرة، بينما البنك الزراعي موّل إعدادات بسيطة جدًا بلا أسباب واضحة. المعايير التي وضعها البنك تنطبق حسب الرهن والمساحة ، ومع ذلك لم يتم تمويلي رغم أن لدي أكثر من ألفي فدان جاهزة، واستوفيت جميع الشروط. التمويل بدون رهن 16 ألف، وهو غير كافٍ إطلاقًا.
تضاعفت بنسبة 300%
ويؤكد معظم الناس يعتمدون على مجهودهم الشخصي بتكاليف عالية جدًا. مدخلات الإنتاج تضاعفت بنسبة 300%، والأسعار أصبحت خرافية لقطع الغيار والمبيدات والأسمدة. قبل الحرب كان برميل الجاز بـ 700 ألف، أما الآن فقد وصل إلى 2 مليون ومائة. مبيد السمسم الذي كان سعره بين 11 و14 ألف أصبح الآن 80 و85 ألف، بل وصل إلى 100 ألف في بعض الحالات.”
فشل متوقع
يقول أحد الباحثين الزراعيين من خلال ملاحظتنا للواقع، فإن خريف هذا العام تأخر كثيرًا مع شُحّ هطول الأمطار. بعض المناطق بدأت فيها عمليات الزراعة، لكن المزارع يشكو باستمرار من قلة الأمطار، وهناك حتى الآن مزارعون متأهبون للزراعة لم يتمكنوا من البدء. ونحسب أن الفشل متوقع مع الارتفاع الكبير في أسعار الحبوب، حيث بلغ سعر ملوة الدخن 14 ألف جنيه، بينما وصل سعر ملوة الذرة (طابت) إلى 12 ألف جنيه.”
غير مسبوق
أجمع عدد من أهالي مناطق تندلتي الشمالية، أم روابة، وشمال وجنوب وغرب كردفان، على أن الموسم الزراعي لهذا العام قد فشل بالكامل نتيجة لتأخر الخريف وتداعيات العمليات العسكرية. وأوضحوا أن انعكاسات هذا الفشل ظهرت مباشرة في حياتهم اليومية، حيث ارتفعت أسعار السلع الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة بلغ سعر جوال الذرة (20 ملوة) 180 ألف جنيه في أم روابة، فيما تراوحت أسعار ملوة الدقيق الجاهز بين 15 و16 ألف جنيه، مقارنة بالظروف الحالية.كما أشار الأهالي إلى أن سعر جوال العلف من قش الفول وصل إلى 30 ألف جنيه بسبب تأخر الخريف وانهيار المراعي، الأمر الذي جعل البهائم بلا غذاء كافٍ. وأكدوا أن هذه الأوضاع جعلت خطر الجوع واقعاً معاشاً، وليس مجرد تحذير، في ظل غياب الإنتاج المحلي وانعدام أي حلول إسعافية.وأضافوا أن الأزمة تتفاقم مع غياب المخزون الاستراتيجي وعدم تدخل السلطات بشكل فعّال، مما يترك المواطنين في مواجهة مباشرة مع أزمة معيشية خانقة تهدد الأمن الغذائي الوطني.
60% خارج الخدمة
أقر مدير البنك الزراعي تاج السر خضر حمد، مدير فرع البنك الزراعي السوداني بمدينة أبو حمد ،بعجز البنك في توفير السيولة النقدية لعدة أسباب، حيث أوضح أن نسبة 60% من فروع البنك خارج نطاق الخدمة منذ اندلاع الحرب، بما في ذلك فروع ولايتي الخرطوم والجزيرة التي تمثل أكبر كتلة نقدية للبنك الزراعي. كما شمل ذلك فروع دارفور وكردفان، والتي تمثل مجتمعة نسبة 75% من حجم التمويل المنفذ. هذه الفروع تعرضت لعمليات نهب جماعي، مع عدم قدرة البنك على تحصيل الديون المستحقة على عملاء تلك الفروع.بالإضافة أن البنك فقد كميات كبيرة من المدخلات الزراعية مثل سماد اليوريا والداب والخيش، إضافة إلى المحاصيل النقدية بحسب إنتاج كل منطقة. كل ذلك أدى إلى فقدان البنك لرأس ماله الذي يعتبر مالاً دواراً يكمل الدورة المستندية لعملية التمويل، ويضمن توفير النقدية لعملاء البنك.
الإدارة السابقة
.بالنسبة لعملية التمويل لمواسم الشتوي أو الصيفي، لم يكن هناك تأخير في التنفيذ، وإنما واجهت الفروع مشاكل تتعلق بتوفيق أوضاعها وفقاً للظروف الأمنية في كل منطقة. فقد عملت الفروع في المناطق الآمنة على إدارة التمويل حسب قدرتها، وبما يتوفر لديها من مبالغ مسددة، مع تدوير العملية التمويلية وفق المتاح لكل فرع.أما العجز الحقيقي فكان في الإدارة السابقة، التي لم تتمكن من توفير المدخلات الزراعية ولا النقدية اللازمة، وهو ما انعكس على أداء الفروع. ومع ذلك، لم يكن هناك أي تأخير في التمويل، بل جرى التنفيذ وفق الإمكانيات المتاحة لكل فرع.
جدولة المديونيات
فيما يتعلق بموضوع العطش، لم يكن البنك الزراعي سبباً في انقطاع عملية الري، إذ نتج ذلك عن الأعطال المتكررة في الكهرباء نتيجة ضرب محطات الكهرباء من قبل قوات الدعم السريع، وهو أمر معلوم لدى الجميع. وللأسف، لم تكن لدى حكومة الولاية حلول عاجلة لمعالجة هذه الأزمة، كما أن البنك لم يكن له دور في حدوث العطش.بل على العكس، ساعد البنك المزارعين من خلال تأخير سداد التمويل، ولم يقم بفتح بلاغات ضد المتأخرين في السداد، حتى تمت جدولة جميع المديونيات الخاصة بالمزارعين في موسمي 2023 و2024.
نظام المقاصة
فيما يخص التحويلات الإلكترونية، يسعى البنك الزراعي إلى تفعيل برنامج التحويلات المصرفية الإلكترونية عقب تفعيل نظام المقاصة، وذلك بالتوازي مع مساعي البنك المركزي لإعادة محول القيود القومي إلى الخدمة. هذه الخطوة ستسهم كثيراً في معالجة مشاكل التحويلات بين البنوك، والتي تمثل أكبر عائق أمام حركة الأموال في الوقت الحالي.
رغم المخاطر
أوضح ان البنك الزراعي لم يوجه السيولة لكبار المزارعين، بل يقوم بتوفير التمويل لصغار المزارعين والمنتجين. والدليل على ذلك هو حجم العملاء الممولين عبر فروع البنك الزراعي المنتشرة في مختلف القطاعات، رغم ارتفاع حجم المخاطر التي يواجهها البنك نتيجة التعثر، والذي يمثل أكبر نسبة مقارنة ببقية البنوك في السودان.علماً بأن التمويلات الموجهة لصغار المزارعين تحمل مخاطر عالية، وهو ما يظهر بوضوح في نسب التعثر لدى البنك، لكنها في الوقت نفسه السبب المباشر في توفير السيولة داخل فروع البنك الزراعي.
في الوقت الراهن
قال المدير ان البنك يمتلك جميع الصوامع الموجودة في السودان، وتعتبر ملكاً للبنك بشكل مباشر. كما أن جميع فروع البنك الزراعي تمتلك مخازن بسعة عالية للتخزين، الأمر الذي يعزز قدرته على إدارة المحاصيل بشكل فعّال.وبحمد الله تعالى، يمتلك البنك كمية مقدرة من المحاصيل النقدية، مما يؤكد عدم وجود أي فجوة غذائية في الوقت الراهن.

غياب الشفافية..
في الوقت الذي يصرخ فيه المزارعون من قلب الميدان بسبب شح الأمطار وفخ السياسات، حاولنا مرارًا وتكرارًا التواصل مع وزير الزراعة والري للحصول على إفادات رسمية حول الموسم الزراعي. أرسلنا رسائل نصية وأجرينا مكالمات هاتفية، لكن الوزير لم يستجب، تاركًا أسئلة ملحة بلا إجابات، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من أزمة غذائية تهدد ملايين السودانيين.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!