تقارير وتحقيقات

بانحياز الاتحاد الأفريقي حوار البرهان.. البحث عن شرعية على أنقاض الحرب

تحليل سياسي : فاطمة الغزالي

تحليل سياسي: فاطمة غزالي

في زمن هوس السلطة الذي يبدو أنه يسيطر على قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان، ووهم الطغيان الذي يحجب عنه حقائق المشهد السياسي، ترفض حقيقة الحوار “السوداني ـ السوداني” أن تتوارى خلف جدران سيناريوهات الزيف التي تقدمها مسرحية الحوار السوداني، والتي فضحتها مواقف أغلب القوى السياسية والمدنية الرافضة لها. وليس الرفض هنا رفضاً لمبدأ الحوار في حد ذاته، وإنما رفضاً لتحويله إلى وسيلة يستخدمها البرهان لإضفاء الشرعية على سلطة الأمر الواقع، وهندسة المشهد السياسي بطريقة مستفزة للقوى المدنية الرافضة للحرب والداعية إلى السلام. فبدلاً من أن يمنح البرهان ضوءاً، ولو شحيحاً، يضيء ظلمة الحرب، بالموافقة على المقترح الأمريكي الداعي إلى وقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، توطئةً للسلام الشامل والعودة إلى الحكم المدني، يمضي في تنظيم حوار سياسي داخل مناطق تخضع لسيطرة قواته.

فالحوار، في العام الرابع للحرب، لا يمكن أن يكون مجرد اجتماع للقوى السياسية حول مائدة في الخرطوم، ولا يمكن اختزال الأزمة السودانية في خلاف بين القوى السياسية، بينما لا تزال الحرب مستمرة، والبلاد منقسمة واقعياً إلى مناطق نفوذ بين أطراف النزاع. وفي ظل هذا المشهد السياسي، تتأبط مفوضية الاتحاد الأفريقي انحيازها للبرهان، وتأتي إلى المشهد السوداني في واقع مؤلم لتبارك حوار سلطة الأمر الواقع، وهي السلطة التي جمّد الاتحاد الأفريقي عضوية السودان في مؤسساته عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021 على الحكم المدني. وهذا يكشف تناقضاً واضحاً في السياسات وغياباً للحياد، وقد يؤدي إلى إضفاء الشرعية على سلطة الأمر الواقع، في الوقت الذي تستبعد فيه مبادرة الحوار أحد طرفي الحرب، أي قوات الدعم السريع- تحالف تأسيس. وهو ما يضع الاتحاد الأفريقي في موقف لا يُحسد عليه، ويجعل المبادرة نفسها موضع شك وريبة، وينزع عن الاتحاد الأفريقي ثوب الحياد. فبدلاً من أن يكون الاتحاد الأفريقي عنصراً إيجابياً يساهم في إيجاد الحلول، يتحول إلى عنصر سلبي يوسع الهوة بين السودانيين ويسهم، بصورة أو بأخرى، في إطالة أمد الحرب. ومن المؤسف أن يتجاهل الاتحاد الأفريقي أولوية وقف الحرب والأزمة الإنسانية، ويصفق ترحيباً بالحوار، دون النظر إلى ضرورة تحقيق الهدنة الإنسانية المقترحة لإنهاء معاناة المدنيين. ولا شك أن الاتحاد الأفريقي يدرك أن الحوار الحقيقي يحتاج إلى بيئة محايدة وضمانات مستقلة، وليس إلى حوار يُعقد داخل منطقة تخضع أمنياً وإدارياً لأحد طرفي النزاع. لذلك، لا بد للدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، خاصة تلك التي كانت لها مواقف مبدئية من انقلاب 25 أكتوبر، أن تمارس ضغوطاً على الاتحاد الأفريقي للخروج من حالة الانحياز.

لقد تدثر البرهان بأوهامه ليكسر حاجز مأزق الشرعية الذي يشكل سداً منيعاً أمام طموحاته السياسية وأجندة الحركة الإسلامية التي تمثل حاضنة سياسية مؤثرة داخل سلطة بورتسودان. فظن أن تنظيم حوار للقوى السياسية المدنية في الداخل يمكن أن يكتب النهاية السعيدة لرحلة البحث عن الشرعية، متجاهلاً الطريقة والظروف السياسية والأمنية التي طرح فيها إطاراً سياسياً لحوار يستبعد قوات الدعم السريع، رغم أنها تشكل طرفاً أساسياً في الحرب. وإن إنهاء الصراع يصبح مستحيلاً ما لم يكن الطرفان جزءاً من عملية وقف الحرب. وقد قالت القوى المناهضة للحرب بوضوح: استبعاد أحد طرفي الحرب يجعل الحوار عاجزاً عن معالجة أصل النزاع. هل يتناسى البرهان أنه ليس مجرد رئيس لسلطة الأمر الواقع عندما يدعو القوى السياسية إلى مؤتمر؟ فهو قائد الجيش الذي يمثل أحد طرفي الحرب، كما أن عقد الحوار في الخرطوم، وفي ظل سيطرة قواته، يجعل أي حوار يجري في هذه البيئة السياسية والأمنية مفتقراً إلى شروط الحياد الذي الشيء الذي يباعد بينه والقوى السياسية الرافضة للحرب.

أما الخدعة الكبرى في خطاب البرهان، والتي تزيد المسافة بينه وبين القوى السياسية، فهي ادعاؤه استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية من العملية السياسية، في الوقت الذي ترى فيه قوى سياسية أن التيار الإسلامي ما زال يمتلك حضوراً وتأثيراً داخل مؤسسات سلطة بورتسودان وفي صناعة القرار. وتبدو مواقف البرهان وكأنها تتجاهل مدى وعي القوى السياسية بطبيعة هذه الحوارات، التي أصبحت، في نظر كثيرين، كالأفلام القديمة التي ملّ الجمهور مشاهدتها. فحوار البرهان لا شك في أنه يعكس الوجه الآخر لعملة “حوار الوثبة” الذي دعا إليه الرئيس المخلوع عمر البشير. وقد جرت مياه كثيرة تحت جسور الحوارات التي نظمها نظام الإسلاميين، والاتفاقيات التي تم توقيعها منذ انقلاب 1989 وحتى سقوط النظام في 2019، دون أن يجني السودانيون ثمارها. ولعل تجربة القوى المدنية السودانية في الفترة الانتقالية بين 2019 و2021 تقدم درساً أكثر قرباً؛ فقد دخلت قوى مدنية في ترتيبات سياسية مع المؤسسة العسكرية انتهت إلى تقويض الانتقال المدني، ثم انقلاب 25 أكتوبر 2021، وصولاً إلى الحرب.

وإذا كانت مشكلة السودان بهذه البساطة التي تجعلها قابلة للحل عبر حوارات سودانية ـ سودانية تمنح الشرعية أو المبايعة لمنطق الإسلاميين، لما قامت ثورة ديسمبر التي سعت قوى النظام السابق إلى إجهاضها، ثم أشعلت الحرب لتعمق الأزمة وتدفع البلاد إلى واحدة من أسوأ مراحل تاريخها الحديث.

وسبقت ثورة ديسمبر ، هبة سبتمبر 2013، وقبلها واصل الشباب وطلاب المدارس الثانوية والجامعات معارضتهم لنظام الإنقاذ، خصوصاً خلال سنوات التسعينيات، عندما حملت قوى سياسية ومدنية السلاح في اسمرا في منظومة التجمع الوطني الديمقراطي الذي تكون في سجن كوبر في العام 1989م . وخلال فترة حكم عمر البشير من 1989 إلى 2019، استخدم الإسلاميون الحوار في كثير من الأحيان كأداة لإدارة المجال السياسي واستيعاب أو تفكيك القوى السياسية والمدنية والمسلحة. فعُقدت مؤتمرات قومية وقطاعية، ومؤتمرات للسلام، ومفاوضات مع الحركات المسلحة، حتى أصبحت كثرة المؤتمرات والاتفاقيات الفاشلة جزءاً من المشهد السياسي السوداني.ومن كثرة الاتفاقيات التي لم تُنفذ، ترسخت مقولة «وقّع وما تنفذ» بوصفها تعبيراً عن أزمة الثقة بين السلطة والقوى السياسية والمسلحة، مع استثناءات مهمة، أبرزها اتفاقية السلام الشامل “نيفاشا” التي نُفذت في جانبها الأساسي وانتهت إلى انفصال جنوب السودان.لقد أتقنت الإنقاذ، إلى درجة الامتياز، إدارة الأزمات عبر نقض العهود والمواثيق، أو استخدام الاتفاقيات لتحقيق أهداف سياسية مرحلية. وبدأت سلسلة حواراتها ومؤتمراتها منذ السنوات الأولى للحكم، ومن أبرزها مؤتمر الحوار الوطني حول قضايا السلام في سبتمبر وأكتوبر 1989، والحوار حول قضايا الإعلام في فبراير 1990، ومؤتمر الحوار حول النظام السياسي بين أغسطس وأكتوبر 1990. كما دخل النظام في سلسلة طويلة من الحوارات والمفاوضات مع القوى المسلحة والسياسية، من بينها مفاوضات الحكومة مع الحركة الشعبية، ومؤتمرا أبوجا الأول والثاني في 1992 و1993، واتفاق الخرطوم للسلام عام 1997، ومؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية عام 1995، وإن لم يكن حواراً حكومياً، واتفاق القاهرة عام 2005، واتفاقية السلام الشامل عام 2005، واتفاق أبوجا للسلام في دارفور عام 2006، واتفاق الشرق عام 2006، ومؤتمر كنانة عام 2008 لمعالجة أزمة دارفور. ثم جاء “الحوار الوطني” الذي أعلنه البشير في 27 يناير 2014، واستمرت عمليته قرابة عامين، وانتهت جلسته الختامية في 10 أكتوبر 2016. وشارك فيه عدد من الأحزاب والحركات والشخصيات القومية والقيادات المجتمعية، لكنه لم ينجح في جمع كل القوى السياسية؛ إذ قاطعته قوى معارضة وحركات مسلحة، ولذلك ظل الحوار الوطني أحد أكثر الملفات إثارة للجدل حول جدوى الحوارات السياسية في عهد الإنقاذ.

ومع كل هذا الماضي من الاتفاقيات والحوارات بين القوى السياسية والمدنية والمسلحة، ومن تجربة الحوار الوطني، يفتح البرهان شهيته لإجراء الحوار “السوداني ـ السوداني” بذات المنطق الذي انتهجته قيادات المؤتمر الوطني، وبذات العقلية، ولتحقيق ذات الهدف: البحث عن الشرعية السياسية.

لكن هل القوى السياسية المدنية الرافضة للحرب بهذه السذاجة التي تدفعها إلى المشاركة في حوار تكون فيه سلطة الأمر الواقع هي الشاكي والحَكَم والجلاد؟.إن ظروف ومكان انعقاد الحوار يتناسبان عكسياً مع متطلبات الحوار الحقيقي، الذي يرتكز على ضرورة تهيئة مناخ آمن، بعيداً عن القصف الجوي وهجمات المسيّرات والاشتباكات المستمرة. لا يختلف اثنان في أن وقف إطلاق النار مطلب إنساني وأمني وموضوعي، لأنه يوفر الحد الأدنى من الأمان الذي يسمح للسياسيين والمدنيين بالتعبير عن مواقفهم دون الخوف من الحرب أو الاعتقال أو الاستهداف. ولا يضير المضي في مسارين متوازيين: وقف إطلاق النار من جهة، وإجراء حوار سياسي شامل في مكان محايد من جهة أخرى، بأجندة تتفق عليها أطراف الحرب والقوى المدنية المتحالفة معها والقوى السياسية الرافضة للحرب. إنه الحوار الذي لا يستثني أحداً من القوى السياسية والمدنية، إلا المؤتمر الوطني ، وليس الحوار الذي يُستخدم كأداة لإضفاء الشرعية. ويأتي الحوار الحقيقي محمولاً على أكتاف الثقة، التي تبدأ بإعلان البرهان استعداده لوقف الإجراءات القانونية ضد المشاركين، وتوفير ضمانات قانونية وأمنية وسياسية حقيقية ومستقلة للقوى المدنية، والثقة التي تغلق الباب أمام استغلال القوى السياسية كديكور في مسرح الملهى السياسي لحكومة بورتسودان، في ظل ضمانات غير مستقلة تستند إلى إرادة ومزاجية البرهان أو حاضنته السياسية- ( المؤتمر الوطني) وحلفائه في معسكر الحرب.

وهنا تبرز تساؤلات جوهرية بشأن طبيعة الحوار: هل هو حوار سياسي حقيقي يبحث في شكل الدولة، والانتقال السياسي، وإصلاح المؤسسة العسكرية، والعدالة، والمواطنة، وتقاسم السلطة والثروة؟ أم أنه محاولة لاستمرار الصراع العسكري بأدوات سياسية؟ . فإذا كان البرهان جاداً في الحوار السوداني ـ السوداني، فعليه أن يبدأ بالموافقة على مقترح الهدنة الإنسانية ووقف إطلاق النار، ومعالجة الأزمة الإنسانية وفتح الممرات الإنسانية، ومن ثم إطلاق عملية سياسية مدنية شاملة تنهي الصراع وتعيد السودان إلى مسار الحكم المدني.

لا للحرب.. نعم للسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!