جدل واسع حول بيان مجلس الأمن بشأن الأبيض: مراقبون: البيان استند إلى تقديرات مثيرة للجدل وتجاهل تعقيدات المشهد السوداني
التنوير: تقرير الشبكة الاعلامية المدنية MCN

التنوير: تقرير الشبكة الاعلامية المدنية MCN

أثار البيان الأخير الصادر عن مجلس الأمن الدولي بشأن الأوضاع العسكرية والإنسانية في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان موجة واسعة من الجدل السياسي والإعلامي، وسط انتقادات من شخصيات سياسية ومحللين اعتبروا أن المجلس اعتمد على تقارير وتقديرات لا تعكس بصورة كاملة تعقيدات الواقع السوداني وتطورات المشهد الميداني والسياسي.
وكان أعضاء مجلس الأمن قد أعربوا عن قلقهم إزاء ما وصفوه بحشد تعزيزات عسكرية كبيرة حول مدينة الأبيض، محذرين من مخاطر اندلاع أعمال عنف واسعة النطاق ومطالبين بوقف أي عمليات عسكرية قد تهدد المدنيين أو تؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في المنطقة.
مخاوف أممية وتحذيرات من التصعيد
ركز بيان مجلس الأمن على المخاطر الإنسانية المرتبطة بالوضع في الأبيض وولايات كردفان، كما أعرب عن القلق من تزايد استخدام الطائرات المسيّرة في الحرب السودانية، داعياً جميع الأطراف إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وتوفير الحماية للمدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
كما جدد المجلس موقفه الرافض لإنشاء سلطة حكم موازية في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، مؤكداً تمسكه بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه.
عبد الرحمن أبو رندة: تقديرات غير مكتملة
وفي قراءة مغايرة للبيان، قال المحلل السياسي عبد الرحمن أبو رندة إن الموقف الذي تبناه مجلس الأمن استند إلى حيثيات غير مكتملة ومعلومات لا تعكس بالضرورة الواقع القائم على الأرض.
وأضاف أن التصريحات التي صدرت خلال الفترة الماضية بشأن حماية المدنيين كانت واضحة، كما أن الاتصالات التي أجراها مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة مع قيادة قوات الدعم السريع ساهمت في تبديد كثير من المخاوف المرتبطة بالأوضاع الإنسانية، الأمر الذي يجعل بعض المخاوف التي وردت في البيان بحاجة إلى مراجعة أكثر توازناً.
وأشار أبو رندة إلى أن الأزمة السودانية كثيراً ما تعرضت لقراءات دولية اختزلت المشهد في زوايا محددة، بينما تجاهلت السياقات السياسية والعسكرية الأوسع التي أنتجت الأزمة الحالية.
الجدل حول مسألة الحكومة في مناطق السيطرة
ومن أبرز النقاط التي أثارت النقاش السياسي ما ورد في بيان مجلس الأمن بشأن رفض إقامة سلطة حكم في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع.
ويرى أبو رندة أن هذا الموقف يفتقر إلى قراءة موضوعية للواقع السياسي الذي أفرزته الحرب، مشيراً إلى أن تحالف السودان التأسيسي يمثل تحالفاً سياسياً ومدنياً واسعاً يضم قوى اجتماعية وسياسية متعددة، وأن التعامل مع هذه التحولات باعتبارها مجرد ترتيبات مؤقتة أو غير ذات وزن سياسي لا ينسجم مع المعطيات الحالية.
وأضاف أن التجارب الدولية شهدت حالات عديدة نشأت فيها إدارات انتقالية أو ترتيبات حكم محلية في ظروف النزاعات قبل أن تتحول لاحقاً إلى جزء من الحلول السياسية الشاملة.
إيمان التجاني: بيانات تخدم أجندة القوى الرافضة للسلام
من جانبها، اعتبرت الكاتبة الصحفية إيمان التجاني أن بعض البيانات والمواقف الدولية المتعلقة بالسودان أصبحت تثير تساؤلات جدية حول مدى اعتمادها على صورة متوازنة للمشهد السياسي والعسكري.
وقالت إن هناك قرارات ومواقف تصدر أحياناً عن مؤسسات دولية كبرى، بينها الأمم المتحدة، ينتهي أثرها العملي إلى خدمة أجندة القوى الرافضة للتسوية السياسية، بدلاً من دفع الأطراف نحو السلام.
وأضافت أن جوهر الأزمة السودانية يكمن في استمرار الحرب وغياب الإرادة السياسية الكافية لإنهائها، مشيرة إلى أن كثيراً من القوى المدنية ترى أن المؤسسة العسكرية ما زالت تتبنى خطاباً يغلب عليه الخيار العسكري أكثر من أي مسار تفاوضي شامل.
الأبيض.. معركة ذات أبعاد سياسية
وترى التجاني أن معركة الأبيض لا تقتصر على بعدها العسكري، بل تمثل محطة مفصلية في المشهد السياسي السوداني بأكمله، نظراً لموقع المدينة الاستراتيجي وتأثيرها على موازين القوى في إقليم كردفان.
وأوضحت أن التطورات الجارية حول الأبيض ستلقي بظلالها على مستقبل العملية السياسية وعلى شكل الترتيبات المحتملة في المرحلة المقبلة، وهو ما يفسر الاهتمام الإقليمي والدولي المتزايد بما يجري في المدينة.
وأضافت أن المطلوب اليوم هو التعامل مع الأزمة السودانية من منظور شامل يركز على وقف الحرب وتهيئة الظروف اللازمة لحوار سياسي واسع، بدلاً من الاكتفاء بإصدار بيانات قد لا تعكس جميع جوانب الواقع.
انتقادات للصمت تجاه قضايا أخرى
وفي سياق متصل، أشارت التجاني إلى أن الانتقادات الموجهة للمواقف الدولية لا تتعلق فقط ببيان الأبيض، وإنما بما تصفه بعض الأوساط السياسية بوجود تفاوت في مستويات الاهتمام بقضايا معينة مقارنة بقضايا أخرى.
وقالت إن هناك أسئلة تُطرح داخل الساحة السودانية بشأن أسباب التفاوت في ردود الأفعال الدولية تجاه بعض الحوادث والتطورات الأمنية، الأمر الذي يدفع قطاعات من الرأي العام إلى المطالبة بمواقف أكثر اتساقاً وتوازناً تجاه مختلف الانتهاكات والأحداث المرتبطة بالحرب.
بين المخاوف الدولية وتعقيدات الواقع
وبينما يتمسك مجلس الأمن بموقفه الداعي إلى حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة القتال، يرى منتقدو البيان أن معالجة الأزمة السودانية تتطلب فهماً أكثر عمقاً لتعقيدات المشهد السياسي والعسكري، والاستماع إلى مختلف الأطراف السودانية الفاعلة.
ويجمع مراقبون على أن استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الإنسانية يفرضان الحاجة إلى مقاربة جديدة تتجاوز البيانات التقليدية، وتفتح الباب أمام جهود أكثر جدية لدفع عملية السلام وإنهاء الصراع الذي أنهك البلاد وأثقل كاهل ملايين السودانيين.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى الجدل حول بيان مجلس الأمن جزءاً من نقاش أوسع يتعلق بكيفية قراءة المجتمع الدولي للأزمة السودانية، ومدى قدرة المؤسسات الدولية على مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها السودان في واحدة من أكثر مراحله تعقيداً منذ عقود.




