تقارير وتحقيقات

ملف الأسلحة الكيميائية من الغرف المغلقة .. دوائر صنع القرار .. المؤسسات الدولية

الإعلام الأمريكي على الخط

 

تحليل سياسي: فاطمة غزالي

لا شك في أن ما نشرته صحيفتا “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” بشأن استخدام الجيش السوداني للسلاح الكيميائي، يمثل على الأرجح مرحلة جديدة في مسار التعامل مع ملف استخباراتي انتقل تدريجياً من الغرف المغلقة إلى الرأي العام الأمريكي والدولي، خرج الملف من الظلام إلى العلن، ليسدد ضربة قوية لحكومة بورتسودان التي تسعى لإعادة إنتاج شرعية سياسية لسلطتها العسكرية عبر الحوار السوداني. وضع ملف الأسلحة الكيميائية في صالة التحرير لصحيفتي “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” له وزن سياسي مختلف عن نشر الملف في صحيفة واحدة، ومعلوم أن الصحيفتين لديهما تاريخ طويل في التعامل مع المصادر داخل الاستخبارات الأمريكية، وزارة الدفاع، وزارة الخارجية، مجلس الأمن القومي، والأجهزة الأمنية الغربية.

السؤال هنا هل استخدمت الأسلحة الكيميائية في السودان؟ وإنما أيضاً لماذا خرج الملف الآن ؟ ومن يقف وراء إيصاله إلى صحيفتين أمريكتين بهذا الحجم التأثير الكبير على الرأي العام الأمريكي والدولي، الآن تحولت المعلومات الاستخباراتية السرية إلى قضية رأي عام أمريكية ودولية طوقت عنق حكومة بورتسودان. وهنا يبرز السؤال هل كشف صحفي لجريمة حرب، أم عملية استخباراتية مدروسة لتحويل ملف الأسلحة الكيميائية إلى أداة ضغط سياسية على قيادة الجيش السوداني؟ .. التي تريد استمرار الحرب التي يدفع السودانيون ثمنها.لا يمكن الجزم بأن أحد الاحتمالين يستبعد الآخر فقد تكون المعلومات ذات أهمية حقوقية والقانونية وفي نفس الوقت تكون عملية تسريبها وتوقيت نشرها جزءاً من حسابات سياسية واستخباراتية أوسع، ومن الواضح أن ملف الأسلحة الكيميائية يمكن أن يزيد الضغوط على قيادة الجيش السوداني، ويضعف موقف الفريق أول عبد الفتاح البرهان سياسياً، خصوصاً في ظل الضغوط الدولية الرامية إلى وقف الحرب والعودة إلى مسار التفاوض. كما أن القضية قد تؤثر في مواقف الدول التي تقدم دعماً سياسياً أو عسكرياً للجيش السوداني، إذا أصبحت المخاطر القانونية والسياسية المرتبطة بهذا الدعم أكثر وضوحاً.

مهما كان موقف حكومة بورتسودان من هذه الاتهامات، فإن التعامل معها لم يعد سهلاً، لأن التقارير الصحفية الأخيرة لا تعتمد فقط على تصريحات مجهولة المصدر، وإنما تتحدث عن وثائق وصور وفيديوهات ورسائل قالت الصحيفتان إنهما حصلتا عليها وفحصتاها بصورة مستقلة. ومهما حاولت حكومة الأمر الواقع إنكار ما ورد في الصحيفتين فلن تستطيع الخروج من مأزق استخدام الأسلحة الكيميائية، ووهذا التطور المعلوماتي يعني أن ملف الأسلحة الكيميائية في السودان لم يعد مجرد اتهام أمريكي تقول حكومة بورتسودان إنه يفتقر إلى الأدلة؛ فالتقارير المتزامنة لـ”نيويورك تايمز”و”واشنطن بوست” نقلت القضية إلى مرحلة جديدة، إذا تحولت هذه المواد التي بالملف إلى أدلة قابلة للتحقق دولياً، فإن تداعياتها لن تتوقف عند العقوبات الأمريكية، بل قد تمتد إلى شرعية القيادة العسكرية ومسار التفاوض والسلام وآليات المساءلة الدولية.والأكثر أهمية أن “واشنطن بوست” أشارت إلى أن الملف قُدّم إليها بواسطة مسؤولين أمنيين من الشرق الأوسط، وأن هؤلاء المسؤولين قالوا إن المواد حصلوا عليها من مصادر داخل السودان. هذه المعلومة تحديداً تفتح باباً واسعاً أمام أسئلة استخباراتية وسياسية مهمة: من هم هؤلاء المسؤولون؟ ومن هي الجهة التي يمثلونها؟ وكيف وصلت الوثائق إليهم؟ ومن هي المصادر الموجودة داخل السودان التي تمكنت من الوصول إلى هذه المواد؟ فإن وجود قناة استخباراتية شرق أوسطية في مسار وصول الوثائق إلى صحيفة أمريكية كبرى يضيف بعداً إقليمياً إلى القضية، ويجعل من الضروري البحث في مصالح الدول الإقليمية المختلفة في السودان، ومن يمكن أن يستفيد سياسياً من إضعاف موقف قيادة الجيش.

ومن المتوقع أن تتحرك دوران عجلة المشهد الحقوقي بشدة، وقد تواجه حكومة الأمر الواقع ضغوطاً دولية وأممية تفرض عليها السماح بدخول لجنة أممية مستقلة للتحقق، وهذا يعني أن قضية الحرب في السودان تتحول من مربع الحديث عن الحرب إلى مربع الحديث عن “لأسلحة المحرمة دولياً”، داخل مجلس الأمن وهذا الاتجاه يعد نقلة خطيرة، خاصة وأن قضية الاسلحة الكيميائية سبق وأن وصلت إلى مجلس الأمن في العام 2025م، وقدمت بشأنها وثائق رسمية إلى المجلس وصارت جزءاً من سجلاته الرسمية، بينما ركز تقرير بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026 على استمرار تدفق السلاح والدعم الخارجي إلى طرفي الحرب.

لا شك أن ملف استخدام الأسلحة الكيميائية سلك طريقه إلى مجلس الأمن، وإذا صار موضوعاً متكرراً في أروقته، ستتغير نظرته للحرب، ولن تُقدَّم دولياً باعتبارها حرباً أهلية خلقت كارثة إنسانية وتسببت في انتهاكات لحقوق الإنسان، بل ستقدم نزاعاً يتضمن استخدام أسلحة محرمة دولياً، مما يخدم مستوى رفع الضغط السياسي والقانوني ضد حكومة بورتسودان التي فتحت على نفسها أبواب الجحيم لمعركة دولية أكبر من قدراتها، خاصة إذا ضغطت الدوائر الأمريكية ولوبيات الضغط في اتجاه إحالة الأدلة إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وهذا قد يحول الملف من قضية تنفيذية داخل الإدارة إلى قضية سياسية داخل الكونغرس، وتضع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أمام اختبار حقيقي. ويذكر أن الولايات المتحدة قالت رسمياً إن الأسلحة الكيميائية استُخدمت في السودان في 2024، وإن ذلك يمثل انتهاكاً لاتفاقية الأسلحة الكيميائية، وناقشت واشنطن القضية داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

هناك سؤال يطرح نفسه: هل السودان نفسه، هل حكومة بورتسودان مستعدة للتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية للتحقيق في الاتهامات كما سبق وأن أعلنت ذلك؟ أم أن ظهور الأدلة أثار الرعب في دواخلها من أن يتحول هذا الإعلان إلى اختبار عملي؟ وهل حقاً ستسمح بتحقيق مستقل والوصول إلى المواقع والأشخاص والوثائق؟., هذه الوثائق الجديدة تضع قيادة الجيش أمام معادلة صعبة: إما التعاون مع التحقيق الدولي والمجازفة بكشف معلومات محرجة، أو رفض التحقيق والمجازفة بتعزيز الشكوك حول الرواية الرسمية.

وظهور أدلة جديدة عن برنامج أسلحة كيميائية في وقت تضغط واشنطن فيه من أجل وقف الحرب والتفاوض، يعطي الإدارة الأمريكية مبرراً لرفع درجة الصرامة في التعامل مع قائد الجيش، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، ولن تنظر إليه باعتباره مجرد طرف سياسي في الحرب، بل يرتكز التعامل معه بشروط تخدم الاستراتيجية الأمريكية بشأن الحرب في السودان، التي تتضمن: وقف الانتهاكات، والتعاون مع التحقيقات، وقبول آليات المساءلة، وعدم استخدام الأسلحة المحظورة، والالتزام بوقف إطلاق النار.

الآن واشنطن تستند على عدة أدلة يمكن أن تبني سداً منيعاً يصد الصين وروسيا من استخدام حق الفيتو داخل “مجلس الأمن”، فيما يتعلق بالمقترح الأمريكي الداعي إلى حظر السلاح في كل السودان بدلاً عن دارفور. وتتمثل أدلة واشنطن أولاً في ما أكدته الحكومة الأمريكية رسميا أن السودان استخدم أسلحة كيميائية في 2024، وهو الأساس الذي بُنيت عليه العقوبات الأمريكية التي تستند على معلومات يبدو أنها تثق في دقتها. ثانياً، ما أوردته الوثائق التي حصلت عليها الصحيفتان: وجود برنامج عسكري لتطوير وإنتاج ذخائر تعتمد على الكلور. وثالثاً، ما يمكن إثباته قضائياً بشكل مستقل: أن كل ذخيرة أو كل هجوم ورد في الوثائق نُفذ فعلاً بالطريقة الموصوفة. ولا شك أن المعركة الإعلامية الأمريكية تتسلح باجتماع الأدلة في الصحيفتين، وكل صحيفة حصلت على مواد من مصادر استخباراتية، وقامت بفحصها بصورة مستقلة، ووصلت إلى صورة متقاربة جداً عن وجود برنامج كيميائي داخل الجيش السوداني في 2024. التقارير الإعلامية الأمريكية نقلت التركيز الأمريكي من مرحلة العقوبات الأمريكية إلى مرحلة الأدلة المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية، مما يضع الجيش السوداني أمام اختبار دولي جديد لعب فيه المصدر الاستخباراتي شرق أوسطي، ووسائل الإعلام الأمريكية، والقنوات الاستخباراتية الأمريكية، والإدارة الأمريكية، دوراً كبيراً في وضع أسئلة الاختبار الصعبة.

لا غرابة في أن عالم الاستخبارات والسياسة الخارجية، يُسرّب المعلومة التي تريد الدولة أن تصل إلى الجمهور دون أن تتحمل مسؤولية نشرها رسمياً. فعندما تريد حكومة ما أن تقول شيئاً حساساً، لكنها لا تريد الكشف عن مصدر المعلومات أو الوسائل التي حصلت بها عليها، ترمي المعلومات أمام صحفيين كبار عبر مصدر استخباراتي أو مسؤول أمني أو دبلوماسي، ثم إلى صحفي موثوق يستطيع أن يجري تحقيقاً صحفياً مستقلاً، وبهذا تحقق الحكومة عدة أهداف في الوقت نفسه: إيصال الرسالة، حماية المصادر والطرق الاستخباراتية، اختبار رد فعل الرأي العام، الضغط على الطرف المستهدف، وخلق أساس سياسي لإجراءات لاحقة. وهذا جعل توقيت نشر التقريرين مهماً في قضية الأسلحة الكيميائية.

الضربة الكبرى التي تشعر حكومة بورتسودان بالألم الشديد أن الملف قُدّم إلى الإعلام الأمريكي بواسطة مسؤولين أمنيين من الشرق الأوسط، وإن هؤلاء قالوا إن المواد حصلوا عليها من مصادر داخل السودان. وهذا يعني أن حكومة بورتسودان تجلس على صفيح ساخن، تتآكل من داخل منظومتها الأمنية والاستخباراتية التي ساهمت في دخول ملف الأسلحة الكيميائية في مرحلة جديدة: من غرف الاستخبارات إلى صفحات الصحافة الأمريكية ، ومن صفحات الصحف إلى دوائر القرار، ومن دوائر القرار إلى المؤسسات الدولية.ويبقى السؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة: هل تستطيع حكومة بورتسودان احتواء هذا الملف سياسياً، أم أن الأدلة الجديدة ستفتح عليها جبهة دولية وقانونية يصعب إغلاقها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!