عندما تهان كرامة المعلم في بلادي

عندما تهان كرامة المعلم في بلادي
بقلم: الدكتورة إخلاص قرنق
في بلادٍ تُرفع فيها الشعارات عن الأخلاق والتربية والقيم، يصبح السؤال مشروعاً وموجعاً: ماذا تبقى من تلك القيم عندما يُهان المعلم على يد مسؤول يفترض أن يكون أول المدافعين عن القانون والاحترام؟
ما نُسب إلى معتمد محلية كرري السابق، من اعتداء على أحد المعلمين داخل مدرسة، وتهديد للمعلمين بالسلاح وإهانتهم، إن ثبتت تفاصيله، ليس مجرد مشاجرة عابرة بين شخصين، ولا حادثة يمكن دفنها تحت عبارة «سوء تفاهم».
إنها، قبل كل شيء، إهانة لمهنة التعليم، وإهانة لهيبة الدولة، واختبار حقيقي لمدى احترام القانون.
المعلم ليس موظفاً عادياً.
المعلم هو ذلك الإنسان الذي يقف أمام عشرات الأطفال كل صباح، يحمل طباشيرته وكتبه، ويبدأ صناعة الإنسان قبل أن تبدأ صناعة الطبيب والمهندس والقاضي والضابط والوزير.
المعلم الذي قد لا يملك سيارة فارهة، ولا حراسة، ولا رتبة عسكرية، ولا نفوذاً سياسياً، يستطيع أن يصنع جيلاً كاملاً.
وقد يتخرج على يده شخص يصبح يوماً ما مسؤولاً كبيراً، بينما يبقى هو في الفصل نفسه، ينتظر راتبه، ويواصل أداء رسالته.
ولهذا فإن الاعتداء على المعلم ليس اعتداءً على شخص واحد.
إنه اعتداء على المعنى الذي تمثله المدرسة.
والأخطر من الضرب نفسه هو أن يتحول السلاح إلى وسيلة لحل الخلافات، وأن تتحول الرتبة السابقة أو النفوذ الاجتماعي إلى حصانة غير معلنة، وكأن بعض الناس يعتقدون أن القانون خُلق للضعفاء فقط.
وهنا يجب أن نتوقف.
أي دولة هذه التي يخاف فيها المعلم من مسؤول أكثر مما يخاف فيها المسؤول من القانون؟
وأي رسالة نرسلها إلى التلميذ عندما يرى أن الشخص الذي جاء إلى المدرسة ليعلّمه الاحترام يمكن أن يُهان أمامه، بينما يقف صاحب السلطة أو النفوذ فوق المحاسبة؟
نحن لا نربي أطفالاً بالكلام فقط.
الأطفال يتعلمون مما يرونه.
إذا رأى الطفل أن القوة تنتصر على القانون، فسيتعلم أن القوة هي القانون.
وإذا رأى أن السلاح أقوى من الحوار، فسيتعلم أن السلاح لغة.
وإذا رأى أن إهانة المعلم تمر بلا حساب، فسيفقد احترامه للمعلم وللمدرسة وللدولة معاً.
وهنا تحديداً تكمن الكارثة.
المعلم ليس «فاقداً تربوياً»
من أكثر ما يؤلم في مثل هذه الوقائع أن تُستخدم عبارات مهينة بحق المعلمين، وكأن من أفنى عمره في تربية الأجيال أصبح بلا قيمة لأنه لا يحمل رتبة أو سلطة.
يا سادة…
المعلم هو الذي علّمكم القراءة قبل أن تستطيعوا قراءة خطاباتكم. هو الذي علّمكم كتابة أول حرف قبل أن تكتبوا أول قرار.
هو الذي أمسك أيديكم عندما كنتم أطفالاً، وربما عاقبكم يوماً لأنكم أخطأتم، لا كرهاً فيكم، وإنما لأنه كان يريد أن يراكم أفضل منه.
ومن المفارقات المؤلمة أن بعض الذين يملكون اليوم سلطة القرار، إنما وصلوا إلى مواقعهم لأن معلماً ما وقف ذات صباح أمام السبورة وعلّمهم أول درس.
فكيف يستقيم أن يرد الإنسان الجميل لمعلمه بالإهانة؟
الرتبة لا تمنح صاحبها حق الإهانة
أن تكون لواءً متقاعداً أو مسؤولاً سابقاً لا يمنحك حق ضرب إنسان.
أن تكون صاحب منصب لا يعني أنك فوق القانون.
وأن تحمل سلاحاً لا يعني أن الناس خُلقوا ليخافوا منك.
الدولة الحديثة لا تُقاس بعدد الرتب على الكتف، وإنما بقدرة القانون على حماية الأضعف من الأقوى.
وإذا كان هناك خلاف بين مسؤول ومعلم، فهناك إدارة، وهناك شرطة، وهناك نيابة، وهناك قضاء.
أما أن تتحول المدرسة إلى ساحة استعراض للقوة، فهذه ليست هيبة دولة.
هذه إهانة للدولة نفسها.
والأكثر خطورة أن تمر مثل هذه الوقائع دون تحقيق شفاف ومساءلة عادلة.
لأن الإفلات من العقاب لا يعالج المشكلة، بل يعيد إنتاجها.
اليوم يُهان المعلم.
وغداً يُهان الطبيب.
وبعد غدٍ يُهان الموظف.
ثم يصبح المواطن العادي هو الحلقة الأضعف دائماً.
وعندما يعتاد المجتمع على أن صاحب النفوذ يستطيع أن يفعل ما يشاء، تبدأ الدولة في فقدان أهم ما تملكه: الثقة.
أين هيبة المعلم؟
زمان، كان الطالب يقف احتراماً لمعلمه.
وكان المجتمع كله يعرف أن المعلم صاحب رسالة، حتى وإن كان راتبه قليلاً وملابسه بسيطة.
لم يكن المعلم يحتاج إلى حراسة كي يحترمه الناس.
كانت المهنة نفسها تمنحه الهيبة.
أما اليوم، فقد وصلنا إلى زمن يحتاج فيه المعلم إلى أن يدافع عن كرامته أمام من يفترض أن يحميه.
يا للحسرة!
نحن لا نطالب بأن يكون المعلم فوق القانون.
بل نطالب بشيء أبسط بكثير: أن يكون المعلم تحت حماية القانون مثل أي مواطن، وأن يكون المسؤول تحت سلطة القانون مثل أي مواطن.
لا أكثر ولا أقل.
المعركة الحقيقية ليست مع شخص
القضية ليست قضية معتمد سابق وحده.
ولا قضية معلم واحد وحده.
القضية أكبر من ذلك.
إنها قضية مجتمع يريد أن يعرف:
هل ما زلنا نؤمن بأن القانون فوق الأشخاص؟
هل ما زلنا نؤمن بأن المدرسة مكان للتربية وليس للترهيب؟
هل ما زلنا نؤمن بأن المعلم يستحق الاحترام؟
وهل يستطيع المواطن البسيط أن يرفع رأسه أمام صاحب السلطة وهو مطمئن إلى أن القانون سيحميه؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى خطب طويلة.
تحتاج إلى موقف.
إذا ثبت الاعتداء، فالمطلوب ليس الانتقام، وإنما تحقيق عادل ومحاسبة عادلة.
لا نريد دولة تنتقم من الناس.
نريد دولة تُحاسب الناس.
وهناك فرق هائل بين الاثنين.
رسالة إلى المعلمين
إلى كل معلم يقف اليوم أمام السبورة رغم ضيق الحال، ورغم ضعف المرتب، ورغم الإحباط، ورغم كل ما أصاب التعليم في بلادنا:
لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأنكم بلا قيمة.
أنتم الذين تصنعون القيمة.
قد لا يعرف تلميذكم اليوم مقدار ما قدمتموه له، لكنه قد يتذكر بعد عشرين عاماً كلمة قلتَها له، أو موقفاً علمته إياه، أو يداً مدت إليه عندما كان على وشك السقوط.
المعلم لا يزرع الأشجار ليجلس تحت ظلها.
إنه يزرعها وهو يعرف أن آخرين هم الذين سيجلسون تحتها.
ولهذا فإن إهانة المعلم ليست مجرد إهانة لإنسان.
إنها إهانة لمستقبل بلد كامل.
أما الذين يظنون أن الرتب والنفوذ والسلاح تمنحهم حق إذلال الآخرين، فنقول لهم:
قد تخيف إنساناً بسلاحك.
وقد تُسكت موظفاً بمنصبك.
وقد تجعل ضعيفاً يبتلع كرامته خوفاً منك.
لكن ذلك كله لا يجعلك محترماً.
الخوف ليس احتراماً.
والرتبة ليست أخلاقاً.
والسلطة ليست حصانة.
والسلاح ليس حجة.
والدولة التي لا تستطيع حماية معلم داخل مدرسته من الإهانة والاعتداء، عليها أن تسأل نفسها بصدق:
كيف تريد أن تقنع أبناء هذا البلد بأن القانون هو ملاذهم الأخير؟
في السودان، نحن بحاجة إلى إعادة بناء أشياء كثيرة.
لكن أول ما يجب أن نعيد بناءه هو احترام الإنسان.
ومن احترام الإنسان أن نحترم المعلم.
ومن احترام المعلم أن نحمي كرامته.
ومن حماية كرامته أن نضع الجميع، مسؤولاً كان أم مواطناً، أمام ميزان واحد:
ميزان القانون.
فلا أحد فوقه.
ولا أحد أصغر من أن تحميه الدولة.
ولا رتبة تعلو على كرامة إنسان.
ولا سلطة تبرر إهانة معلم.
فالسلام على المعلمين الذين ما زالوا يحملون رسالتهم في وطنٍ أثقلته الجراح، ولا سلام على من يجعلون القوة بديلاً عن القانون، والإهانة بديلاً عن الحوار، والنفوذ بديلاً عن العدالة.
كرامة المعلم ليست قضية المعلمين وحدهم…
إنها قضية وطن




