رأي

الدولة التأسيسية: المعنى السياسي لمستقبل السودان

عبدالله ديدان

عبدالله ديدان

الدولة التأسيسية ليست الدولة التي تأتي بعد الحرب، إنما أعني بها الدولة التي تنهي الشروط التي تجعل الحرب إحدي أدوات المطالبة بالحقوق، بهذا المعنى، فإن التأسيس لا يعني إعادة تشغيل مؤسسات الدولة التي دمرتها الحرب ولا إستبدال سلطة بأخرى ولا صياغة دستور جديد فحسب، لكن التأسيس يعني الإنتقال من مسألة من يحكم الدولة إلى قضية أكبر ، وهي ماهي الدولة التي تجعل الحكم ممكنا من دون أن يتحول إلى صراع على إمتلاكها وإقصاء الآخرين أو قهرهم ليبقوا تابعين وفقا لشروط الفئة المسيطرة، فالأزمة لم تكن يوما في غياب من يحكم الدولة، طالما هناك من هو قادر على فرض سطوته بالقوة الإنقلابية العسكرية أو بالورثة من المستعمر أو بالاحتيال والتغيب وفرض واقع، يجعل معظم الشعوب السودانية خاضعة للمركز الذي ورثه وطور آليات عمله المدمرة، لكن الأزمة تكمن فى عدم تأسيس دولة وطنية مكتملة الإستقلال ومؤسسة على عقد سياسي وأخلاقي متوافق عليه بين كل الشعوب السودانية، لذلك ظلت الدولة في كل مراحلها عبارة عن جهاز للسلطة ولم تكن يوما مؤسسة لكل الشعوب السودانية بتنوعها وتعددها الكبير، فأصبح الوصول إليها، أي الدولة، غاية للصراع بدل من أن تكون إطار محايد يتنافس الناس سياسيا وبرامجيا لإدارته وفق مبادئ الديمقراطية والمساواة وعدالة الفرص، هنا تأتي رؤيتنا لمفهوم الدولة التأسيسية التي هي إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة الشرعية الوطنية المتفق عليها لإنشاء دولة وطنية جديدة فى بلادنا.

وهي الدولة التى لا تأتي شرعيتها من القوة الموروثة من المستعمر ولا من الغلبة ولا من التاريخ ولا من إمتلاك السلاح ولا من مجرد السيطرة على مؤسسات الحكم بإنقلاب عسكري تآمري بين الجيش والأحزاب السياسية، إنما هي الدولة التى مصدرها هو العقد الاجتماعي الجديد والدستور والمواطنة والإرادة العامة للشعوب السودانية منتجة ومالكة تعريف مفهوم الوطن والوطنية، بذلك تنتقل الدولة كقيمة وطنية متكاملة من كونها مجال تتصارع داخله القوى إلى كونها المرجعية التى تحتكم إليها هذه القوى وفق مبادئ المساواة فى الحقوق والواجبات وتحت مظلة المواطنة كتعريف نهائي لمن هو السوداني دون تمييز من أي نوع، لذلك الدعوة لمفهوم السلام التأسيسي، قد تبدو فى ظاهرها نوعا من اللغة السياسية البسيطة، لكنها فى حقيقة الأمر، تمثل تحول جذرييًفي الفكر السياسي السوداني وكيفية صناعة الإستقرار المستدام وإنهاء أزمة دولة اللامواطنة التى تتجلي بإستمرار فى تاريخنا الدموي والذي جعل من بعض الناس سودانيين يملكون الدولة والأغلبية توابع يعانون مواطنة منتقصة وكأنها صدقة وليس حقا أصيلا للجميع.

في الدولة التأسيسية لا يكون الصراع حول هوية من يحكم ، لأنها دولة مؤسسة على مبادئ عليا تضع حدود سلطة الحكم، بحيث لايكون الجيش جسما سياسا حاكما أو يمتلك حزب تعريفا يخصه للشرعية أو يكون للقبيلة أو الطبقة أو الجهة أو الثقافة أو الدين تعريفا حصريا للشرعية تفرضه على الآخرين كما هو فى الدولة السودانية الموروثة من المستعمر، تلك الدولة التى لا تعترف بمواطنة كل السودانيين، فالسلام التأسيسي الذي ننشده لبلادنا، هو عملية سياسية جديدة للدولة التى يشكل فيها الجميع مكونات داخل الدولة على قدم المساواة وتتشكل الدولة من الجميع ، بحيث لا أحد يصبح مالك للدولة، لأنه عربي أو أفريقي أو مسلم أو مسيحي أو غيره من أوجه التنوع السوداني، فإن أهم ما تؤسسه الدولة السودانية التأسيسية هو السيادة العامة وتفكيك سيادة النخب وريثة دولة الإستعمار التى خلفها غنيمة لها وليس لكل السودانيين.

مفهوم السيادة فى السلام التأسيسي، لا يعني فقط إستقلال السودان عن الخارج، لكنه بصورة جوهرية أن تكون داخل الدولة سلطة قانونية واحدة ومؤسسات دولة واحدة ليست متعددة اقطاب الملكية وقواعد واحدة، لأنه لا يمكن أن تتعدد الجيوش وتمارس السياسة والحكم، ثم نتحدث عن دولة مكتملة، لا يمكن أن تتعدد مراكز القرار ثم نتحدث عن سيادة وطنية مستقرة ثم لا يمكن أن تكون المواطنة وحقوقها مشروطة بانتماءات معينة وتقول النخب الغريبة عن شعوب السودان بأنها لديها مشروع سياسي وطني يقوم على قيم الديمقراطية، هذا لم يكن حقيقا فى بلادنا، كله كان محاولات تضليلية لتكريس سلطتها وسيطرتها التى لا تقر مبادئ المواطنة وبالتالي الحق العام للشعوب السودانية فى إمتلاك دولتها ومشروعها السياسي الذي يعبر عنها، لذلك فإن السلام التأسيسي يجعل من إخضاع القوة المسلحة للدولة ولسلطة الحكم الديمقراطي، ليس مجرد بند أمني في إتفاق السلام، بل فعل تأسيسي يعيد تعريف معنى الدولة نفسها وطبيعة العلاقة بين مؤسساتها ومهامها الدستورية، فحين يصبح السلاح تابعا للمؤسسة الدستورية، ينتقل السودان من منطق القوة إلى منطق الشرعية، فالدولة التأسيسية لا تكتفي فقط بتنظيم القوي المكونة لها وفق حدود التكوين المؤسيسي وأدوار المؤسسات فى الدولة، لكنها تؤسس مواطن جديد في علاقته بالدولة، عبر عقد إجتماعي ينتج مفهوم الدولة نفسها في سياق جديد،فالمواطن في الدولة غير المكتملة وغير الوطنية التى ظللنا نعاني منها، منذ تسوية الإستقلال بين النخب السياسية والثقافية من ناحية والمستعمر الإنجليزي – المصري من ناحية أخري، يحتاج إلى الإنتماء إلى جماعة عرقية أو ثقافية أو مسلحة تحميه ، لأن هذه الدولة لا تمنحه شعور دائم و كافي بالأمن والعدالة، أما في الدولة التأسيسية، فإن المواطن يحصل على حقه من الدولة مباشرة، لا من وسيط إجتماعي أو أو ثقافي أو سياسي أو عسكري، لأن الحقوق تستمد من المواطنة وليس من أي إنتماء آخر، ونعني هنا بالمواطنة، ما هو أكثر من مجرد تعريف ووضع قانوني، إنما هي أساس الإنتماء للوطن وحق الوجود على ترابه، الشئ الذي يعني ، ملكية الشعوب السودانية العادلة و المتساوية للدولة ومشروعها السياسي الذي ينظم تباينها وتنافسها السياسي ومشروعية الحكم بإختيارها وتفويضها، ويتحول التنوع والتعدد السوداني إلى قيمة وطنية يتشكل منها كل ماهو سوداني، وذلك لأن القبيلة لايمكن أن تختفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!