من مناشدات الهدنة إلى تجريد الشرعية بعد استنزاف مراوغات البرهان.. هل وضعت واشنطن حداً لرهانات الحركة الإسلامية على الحرب؟

تقرير – التنوير
وصلت إستراتيجية الكسب السياسي عبر استدامة الحرب إلى نهايتها الحتمية، حيث بات قائد الجيش السوداني الذي تسيطر عليه جماعة الإخوان المسلمين “الحركة الإسلامية”، عبد الفتاح البرهان محاصراً داخل زاوية ضيقة بعدما استنفد بالكامل رصيد المراوغة والهروب من استحقاقات السلام التي أشعلتها الحركة الإسلامية وفلول النظام البائد للحفاظ على نفوذها. فبدلاً من التعاطي الإيجابي مع التحركات الدولية، أدى الإصرار على النهج العسكري ورفض المبادرات الأمريكية المتكررة لإقرار هدنة إنسانية حاسمة إلى تحول جذري في موقف واشنطن، بنقل الملف السوداني من خانة المناشدات الإنسانية إلى صراع مباشر مع شرعية سلطة الأمر الواقع.
ولم يكن الموقف الأمريكي الرافض لمنح البرهان تأشيرة الدخول لمخاطبة الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك مجرد قرار إداري عابر، بل جاء متوجاً لمسار تصاعدي حاد اتخذته إدارة الرئيس دونالد ترامب. فقد بدأت واشنطن حراكها بفرض عقوبات على الخلفيات اللوجستية والعسكرية، سرعان ما تدرجت لتصل إلى تحميل البرهان شخصياً المسئولية المباشرة عن استخدام الأسلحة الكيميائية المحظورة ضد المدنيين، وذلك بناءً على وثائق وأدلة قطعية كشفت عنها صحيفتا “واشنطن بوست” و”نيويورك تايمز”. وجاء البيان الأخير لوزارة الخارجية الأمريكية ليقطع الشك باليقين، منزعاً أي غطاء شرعي أو دستوري عن الجيش السوداني وقيادته، ومؤكداً أنهم يحكمون بقوة السلاح فقط وغير مؤهلين لإدارة البلاد، مع إعلان واشنطن صراحة استعدادها للعمل مع أي طرف يثبت جديته في السعي نحو السلام واستعادة التحول المدني.
وفي تعليق يبرز حجم التحول غير المسبوق في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه سلطة بورتسودان، يرى الدبلوماسي الأمريكي السابق والخبير في الشؤون الأفريقية، كاميرون هيدسون، أن واشنطن تجاوزت خطوط إدارة الأزمة التقليدية، صريحاً بقوله: “أمريكا أعلنت سياسة تغيير النظام في السودان. لا سبيل آخر لفهم هذا البيان. بصفتي شخصاً عمل في العلاقات الأمريكية السودانية وشهد أسوأ مراحلها، لم أرَ قط إعلاناً صريحاً لسياسة تغيير النظام كما يحدث الآن”.
ومن جانبه، يؤكد المحلل السياسي عزام أواب البوشي أن البرهان يدفع اليوم ثمن ارتهانه للكتائب العقائدية وتنفيذ أجندة الحركة الإسلامية التي ترى في استمرار الحرب طوق نجاة وحيد، مشيراً إلى أن المساومة الدبلوماسية بملف الأسلحة الكيميائية ونزع الشرعية تضع قائد الجيش أمام حقيقة صلبة، وهي أن الكلفة اليومية لإدامة الحرب أصبحت أعلى بكثير من قدرته على الاحتمال، وأن الغطاء الإقليمي والدولي الذي ظل يناور خلفه لسنوات قد تلاشى كلياً.
إن اتخاذ واشنطن لكرت “حظر التأشيرة” وإسقاط وصف الشرعية، مقترناً بتهم استخدام السلاح الكيميائي، يحمل دلالات استراتيجية مفصلية تشكل ملامح المرحلة القادمة. فأولى هذه الدلالات تمثلت في إنهاء واشنطن رسمياً التمييز الذي ظل يستغله الجيش لتقديم نفسه كـ “حكومة شرعية تحارب تمرداً”، حيث تم تثبيت التوصيف القانوني بأن الجيش مجرد “طرف حرب” فاقد للتأهيل السياسي والشرعية الدستورية.
كما أن ربط قيادة الجيش مباشرة باستعمال أسلحة محظورة دولياً يفتح الباب واسعاً أمام الملاحقة الجنائية الدولية، ويمهد الطريق لفرض عقوبات مشددة تحرك آليات المحاسبة عبر مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية، مما يرفع كلفة التعاطي مع البرهان إقليمياً ودولياً. ويبقى الأهم في هذا التصعيد هو إعادة توجيه الشرعية نحو القوى المدنية، إذ يؤكد البيان الأمريكي أن إعادة بناء الدولة وتأسيس الشرعية لن يكونا إلا عبر عملية سياسية مدنية شاملة تفضي إلى نقل السلطة بالكامل للشعب السوداني، بعيداً عن هيمنة المؤسسة العسكرية وكتائب الإخوان.
إن هذا التحول الأمريكي الصارم من المرجح أن يعجل بنهاية مشروع سلطة الأمر الواقع، ويضع كافة الأطراف أمام معادلة جديدة، إما الخضوع للهدنة وتسهيل إغاثة الشعب السوداني، أو مواجهة عزلة كاملة وتصنيف يضع الحركة الإسلامية وحلفاءها العسكريين تحت المقصلة الأمريكية والدولية.




