حين تعالج الرياضة جراح الانقسام.. من استاد جوبا عادت الروح إلى شعبٍ واحد

حين تعالج الرياضة جراح الانقسام.. من استاد جوبا عادت الروح إلى شعبٍ واحد
بقلم: د. إخلاص قرنق
لم تكن مباراة المنتخب السوداني أمام المنتخب الإثيوبي، اليوم، في استاد جوبا الدولي، مجرد مباراة في تصفيات كأس الأمم الأفريقية. كانت شيئًا أكبر من كرة تتدحرج بين أقدام اللاعبين، وأكبر من تسعين دقيقة تنتهي بصافرة الحكم.
كانت موعدًا مع الحنين… ومع ذاكرة وطنٍ لم يستطع الانقسام السياسي أن يمحو وحدته الوجدانية.
فاز المنتخب السوداني بهدف دون مقابل على المنتخب الإثيوبي، لكن بالنسبة لي لم يكن الهدف وحده هو الحكاية.
كانت الحكاية الحقيقية في المدرجات.
جلست أتابع المباراة، لكن عيني لم تكن على الملعب وحده. كنت أراقب المدرجات، وأتأمل وجوه النساء والرجال من جنوب السودان وهم يشجعون المنتخب السوداني، ويهتفون له، ويتفاعلون مع كل هجمة وكل فرصة وكل لحظة فرح.
كان المشهد أكبر من التشجيع.
كان رسالة حب صامتة تقول إن الشعوب قد تختلف حكوماتها، وقد تتباعد حدودها، وقد تتغير خرائطها السياسية، لكن القلوب لا تتعلم دائمًا كيف تنسى.
بكيت فرحًا.
نعم، بكيت وأنا أرى هذا الاحتضان الجميل من إخوتنا في جنوب السودان للمنتخب السوداني. بكيت لأنني شعرت أن شيئًا عزيزًا علينا ما زال حيًا، وأن المسافة التي صنعتها السياسة لم تستطع أن تهزم الذاكرة.
في تلك اللحظات، لم أشعر أننا أمام شعبين غريبين عن بعضهما. شعرت أننا أبناء بيت واحد، اختلفت طرقنا، لكننا ما زلنا نحمل في دواخلنا الكثير من الوجوه والقصص والأغاني والذكريات المشتركة.
كم من أسرة امتدت جذورها بين الشمال والجنوب؟
كم من أم وُلدت في مدينة، وعاشت في أخرى، وظلت تحمل في قلبها أكثر من وطن؟
كم من صداقة، وكم من قصة حب، وكم من حياة كاملة لم تكن تعرف أن الحدود السياسية يمكن أن تصبح يومًا جدارًا بين الأحبة؟
لقد كانت جوبا اليوم أكثر من عاصمة تستضيف مباراة رياضية. كانت مساحة للقاء، ومسرحًا لمشاعر لا تحتاج إلى ترجمة.
كان صوت التشجيع يقول لنا إن الرياضة ليست مجرد منافسة بين منتخبات. الرياضة يمكن أن تكون جسرًا بين الشعوب، وأن تمنح الإنسان فرصة ليرى الآخر بعيدًا عن خطابات الكراهية، وعن الحسابات السياسية، وعن صور الحرب والانقسام.
في الملعب، لا يسأل المشجع أخاه عن موقفه السياسي قبل أن يشاركه الفرحة. لا يحتاج إلى وثيقة تثبت صلة الدم كي يهتف معه. تكفي لحظة هدف، أو هجمة جميلة، أو نشيد يوقظ ذاكرة قديمة.
وهنا تكمن قوة الرياضة.
إنها تعيد الإنسان إلى إنسانيته، وتذكره بأن الآخر الذي يقف أمامه ليس بالضرورة خصمًا، بل قد يكون أخًا، وصديقًا، وشريكًا في تاريخ طويل.
جوبا… مدينة تفتح ذراعيها
يا جوبا، يا مدينة النيل والدفء والذكريات، كم كان جميلًا أن نرى في استادك هذا الحب المتبادل.
شكرًا لكل امرأة ورجل من جنوب السودان شاركوا في تشجيع المنتخب السوداني.
شكرًا لكل من جعل المدرجات مكانًا للفرح، لا للكراهية.
شكرًا لكل قلب قال، بطريقته الخاصة: ما زالت بيننا محبة.
إن السودان وجنوب السودان لا يحتاجان إلى تجاهل اختلافاتهما السياسية والتاريخية، بل يحتاجان إلى أن يتعلما كيف يحترمان هذا الاختلاف دون أن يتحول إلى عداوة بين الشعوب.
فالحدود قد تكون حقيقة سياسية، لكنها لا ينبغي أن تكون سجنًا للمشاعر الإنسانية.
لقد انقسمنا سياسيًا، نعم، ولكن وجداننا ظل يحمل الكثير من المشتركات. وبينما تتعثر السياسة أحيانًا في طريق المصالح والخلافات، تستطيع الرياضة والفن والثقافة والتواصل الشعبي أن تفتح نوافذ جديدة للأمل.
ربما لا تستطيع مباراة واحدة أن تعالج كل جراح الماضي، لكنها تستطيع أن تمنحنا لحظة نكتشف فيها أن الجرح لم يقتل كل شيء جميل بيننا.
وربما لا تستطيع كرة القدم أن تصنع السلام وحدها، لكنها تستطيع أن تهيئ القلوب لاستقباله.
رسالة من المدرجات
اليوم، وأنا أرى أهلنا في جنوب السودان يشجعون المنتخب السوداني، شعرت أن هناك أشياء لا تموت مهما طال الزمن.
تذكرت أن الشعوب لا تُختصر في حكوماتها، وأن العلاقات الإنسانية أعمق من الخلافات السياسية، وأن المحبة الصادقة قد تظهر أحيانًا في أبسط الأشياء: تصفيقة، هتاف، ابتسامة، أو دمعة فرح.
لقد كانت دموعي اليوم تعبيرًا عن امتنان عميق لهذا البلد الحبيب، وعن حنين إلى وطنٍ واسع في الذاكرة، وعن أمل بأن يأتي يوم يصبح فيه الاختلاف مصدر غنى، لا سببًا للقطيعة.
حين تعالج الرياضة جراح الانقسام، فإنها لا تمحو التاريخ، بل تمنحنا فرصة لكتابته بقلوب أكثر رحمة.
ومن استاد جوبا الدولي، أرسل تحية محبة إلى شعب جنوب السودان، وإلى كل سوداني وجنوبي آمن بأن الأخوة أكبر من السياسة، وأن المستقبل يستحق أن نبنيه معًا، بالاحترام والسلام والإنسانية.
فقد نختلف في اسم المنتخب الذي نشجعه، وقد نختلف في السياسة والحدود، لكننا نستطيع أن نتفق على أن الفرح حق للجميع، وأن المحبة لا تحتاج إلى تأشيرة عبور.
جوبا اليوم لم تستضف مباراة فحسب… بل استضافت الحنين.
والحنين، حين يجد قلوبًا مفتوحة، يستطيع أن يعيد وصل ما قطعته الأيام.
جوبا اليوم لم تستضف مباراة فحسب… بل استضافت الحنين.
والحنين، حين يجد قلوبًا مفتوحة، يستطيع أن يعيد وصل ما قطعته الأيام
لتنتهي المباراة بهدف للسودان مقابل لا شئ للمنتخب الاثيوبي وايضا نقول لاثيوبيا حظا اوفر ولن تفرقنا السياسة و ابدا ما هنت يا سوداننا يوما علينا
وكل اجزائه لنا وطن اذ نباهي به ونفتتن




