رأي

الدولة المدنية بين المفهوم الحديث والتجربة النبوية في المدينة المنورة  قراءة تحليلية في الأصول والمبادئ والتطبيق

دكتور دقاش حسب الله دقاش

 

 دكتور دقاش حسب الله دقاش

شهد العصر الحديث جدلا واسعا حول مفهوم الدولة المدنية بين من يراها قطيعة مع الدين ومن يراها ضرورة سياسية لتنظيم الحياة العامة في المجتمعات المعقدة وفي وسط هذا الجدل برز سؤال جوهري هل قدمت التجربة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة نموذجا يمكن فهمه في إطار الدولة المدنية أم أنها كانت تجربة استثنائية لا تتكرر إن الإجابة عن هذا السؤال تحتاج العودة إلى أصول بناء الدولة في المدينة وتحليل مبادئها ومقارنتها بالمقومات التي يقوم عليها المفهوم الحديث للدولة المدنية دون إسقاط ولا مثالية ودون تجاهل لخصوصية الزمان والمكان

عند الحديث عن الدولة المدنية في الفكر السياسي المعاصر فإن المقصود هنا ذلكم النسق المؤسسي الذي تحكمه قواعد معلنة وثابتة تخضع لها السلطة قبل الأفراد وتقوم على سيادة القانون وعلى المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الانتماء الديني أو العرقي أو القبلي وتقوم كذلك على حماية الحريات الأساسية و التداول السلمي للسلطة و الفصل بين السلطات و مشاركة المجتمع في صنع القرار ومن المهم التأكيد أن هذا التعريف لا يعني بالضرورة إقصاء الدين من الحياة العامة وإنما يعني أن ممارسة السلطة لا تكون بوصفها حقا إلهيا مطلقا لشخص أو طبقة وإنما تكون وفق عقد سياسي واجتماعي يحدد الصلاحيات والمسؤوليات

إذا انتقلنا إلى التجربة النبوية في المدينة المنورة فإننا نجد أمامنا مجتمعا متعدد المكونات جمع بين المهاجرين والأنصار واليهود وبعض القبائل العربية وكان هذا المجتمع يحتاج إلى إطار سياسي وقانوني ينظم العلاقات ويحفظ الأمن ويمنع الفوضى فكانت الخطوة الأولى هي إبرام وثيقة عرفت بصحيفة المدينة وهي وثيقة سياسية ودستورية نظمت العلاقة بين سكان المدينة على أساس جديد لم يكن قبليا ولا دينيا خالصا وإنما كان سياسيا مدنيا جمع بين أهل المدينة تحت مسمى أمة واحدة في قضايا السلم والحرب والدفاع والدماء والديون مع احتفاظ كل طائفة بدينها وعاداتها وأحكامها الخاصة فهنا نجد مبدأ المواطنة قائما على أساس الانتماء السياسي إلى كيان واحد لا على أساس التطابق الديني أو العرقي

ومن مظاهر الطابع المدني في دولة المدينة إقرار مبدأ سيادة القانون ومساواة الناس أمامه فلم يكن أحد فوق المساءلة وقد تجلى ذلك في موقف واضح عندما همّ الصحابة أن يشفعوا في امرأة من بني مخزوم سرقت فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال أتشفعون في حد من حدود الله ثم قام فخطب فقال إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها وهذا النص يمثل إعلانا صريحا بأن القانون يطبق على الجميع بلا استثناء وأن الاعتبار ليس للمكانة الاجتماعية ولا للنسب وإنما للفعل وحده

كما تجلت المعالم المدنية في اعتماد الشورى كأسلوب لإدارة شؤون الدولة ففي القضايا التي لا نص فيها كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه ويأخذ بآرائهم في الحرب والسلم والإدارة وقد ظهر ذلك في غزوة بدر حين قال أشيروا علي أيها الناس وفي غزوة الخندق حين أخذ بمشورة سلمان الفارسي بحفر الخندق وهذا

يعني أن القرار السياسي لم يكن فرديا مغلقا وإنما كان مفتوحا على المشاركة وعلى الحوار وعلى الاستفادة من الخبرات المختلفة

ومن الملامح المهمة أيضا أن الدولة النبوية أقرت التعدد الديني والتعايش السلمي فلم تفرض الإسلام على اليهود وغيرهم بالقوة بل كفلت لهم حرية الاعتقاد وممارسة شعائرهم والتحاكم إلى شرائعهم في أحوالهم الخاصة وذلك انطلاقا من قاعدة لا إكراه في الدين وقد ضمنت لهم الوثيقة الحماية والأمن مقابل التزامهم بالدفاع عن المدينة وهذا هو جوهر التعايش الذي تقوم عليه الدول المدنية الحديثة

أما على مستوى الإدارة فقد وزع النبي صلى الله عليه وسلم المهام وعين الولاة على الأقاليم والقضاة للفصل في الخصومات والكتبة لتدوين الوحي والرسائل والمعاهدات وهذا التوزيع للاختصاصات يمثل بذرة الإدارة المؤسسية التي تقوم على التخصص ووضوح الأدوار وعلى عدم تركيز السلطة في يد شخص واحد

إذا قارنا هذه المبادئ بما تقوم عليه الدولة المدنية المعاصرة فإننا نجد تقاطعا كبيرا في الغايات والأهداف فكلاهما يهدف إلى تحقيق العدل وحماية الحقوق وتنظيم العلاقات بين الناس وضمان الأمن والاستقرار وتحقيق المشاركة في الحكم ويختلفان في الوسائل والأدوات بحكم تطور الزمان فالدولة الحديثة تعتمد الدستور المكتوب والانتخابات الدورية والأحزاب السياسية والمجتمع المدني والقضاء المستقل بينما كانت أدوات دولة المدينة هي الوحي والشورى والبيعة والعرف لكن روح المبادئ واحدة وهي منع الاستبداد وتحقيق المساءلة وصون الكرامة الإنسانية

وفي ضوء ذلك يمكن القول إن السؤال عن تعارض الدولة المدنية مع الإسلام سؤال يحتاج إلى تحرير للمصطلح فإذا كان المقصود بالدولة المدنية دولة المؤسسات والقانون والمواطنة المتساوية والعدالة والحرية والمساءلة فإن ذلك لا يتعارض مع مقاصد الشريعة بل يتفق معها ويجد سنده في التجربة النبوية أما إذا كان المقصود بها نموذجا يصادر حق المجتمع في التعبير عن قيمه الدينية والأخلاقية ويقصي الدين من المجال العام بالقوة فإن ذلك يمثل رؤية أخرى لا تلزم المسلمين ولا تمثل حتمية تاريخية

إن التجربة النبوية تقدم لنا نموذجا متقدما لإدارة التنوع في إطار من العدل والشورى والقانون ويمكن الاستفادة منها في بناء الدولة الحديثة بأن نأخذ من الماضي روح المبادئ ونأخذ من الحاضر أدوات التنظيم والتقنية فتكون الدولة دولة مؤسسات لا دولة أشخاص ودولة قانون لا دولة مزاج ودولة مواطنة لا دولة محاصصة ودولة تحترم التنوع وتحفظ الهوية

وخلاصة القول أن معيار نجاح أي دولة مدنية اليوم لا يقاس بالاسم أو الشعار وإنما بقدرتها على تحقيق العدالة والكرامة والمشاركة وسيادة القانون لجميع أبنائها بل و بقدرتها على أن تجعل من الاختلاف مصدر قوة لا سبب فرقة وأن تجعل من القانون هو الحَكَم بين الجميع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!