رأي

من مقاطعة الإمارات إلى النشيد الوطني: حين تدخل المصالح من الباب

من مقاطعة الإمارات إلى النشيد الوطني: حين تدخل المصالح من الباب

بقلم: الدكتورة  اخلاص قرنق

يا جماعة الخير، يبدو أن في الخرطوم مدرسة سياسية جديدة في العلاقات الدولية، عنوانها: «نختلف مع الإمارات سياسيًا… ونتفق معها مصرفيًا!»

في الخارج، الخطاب شديد اللهجة. الإمارات تُتهم، وتُدان، وتُرفع ضدها المذكرات والبيانات، ويُستخدم منبر الأمم المتحدة لإطلاق العبارات النارية.

أما في الخرطوم… فالأبواب تُفتح. والسجاد الأحمر يُفرش.

والموسيقى تعزف. والقيادات الحكومية تحضر.

والمصرف يعود إلى العاصمة في احتفال رسمي.

بل ويظهر رئيس مجلس إدارة مصرف السلام، رجل الأعمال عبد الرحمن سنان، وسط هذا المشهد الاحتفالي، بحضور والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة. وقد أعلن مصرف السلام نفسه أن عودته إلى الخرطوم تأتي ضمن خطة للتوسع والمساهمة في التعافي وإعادة الإعمار.

يا سلام! إذن اكتشفنا أخيرًا أن المقاطعة لها باب، والمصلحة لها باب آخر!

وعندما يكون الحديث أمام الكاميرات: «لا للعلاقة!»

وعندما يكون الحديث في الاقتصاد: «أهلًا وسهلًا… اتفضلوا، النشيد الوطني جاهز!»

هنا لا يسع المواطن السوداني إلا أن يسأل: هل كانت الإمارات عدوًا سياسيًا أم شريكًا اقتصاديًا؟

وإذا كانت العلاقة معها مرفوضة إلى هذا الحد، فكيف يصبح الاستثمار المرتبط بها مناسبة رسمية للاحتفال؟

وإذا كانت المشكلة مع دولة الإمارات نفسها، فلماذا لا تنطبق القطيعة على المصالح الاقتصادية أيضًا؟

أما إذا كانت المصالح الاقتصادية مستثناة من القطيعة، فلماذا يُطلب من المواطن أن يصدق أن الخطاب السياسي يعكس سياسة متماسكة؟

المشكلة هنا ليست في مصرف السلام. ولا في المستثمر. ولا في الإمارات.

فالاستثمار الأجنبي في حد ذاته ليس جريمة، والاقتصاد السوداني في حاجة إلى رؤوس الأموال والمؤسسات التي تستطيع المساهمة في إعادة الإعمار.

المشكلة في شيء آخر تمامًا: أن تقول شيئًا في السياسة، ثم تفعل عكسه عندما تصل إلى الاقتصاد.

أن ترفع شعار القطيعة في المنابر الدولية، ثم تفتح أبواب الخرطوم للاستثمار.

أن تتحدث عن الخصومة صباحًا، ثم تستقبل رجل الأعمال مساءً بالموسيقى والسجاد الأحمر.

هذا هو ما نسميه في السودان: «الموقف على حسب المناسبة!»

ويمكن أن نضيف إلى قاموس السياسة السودانية مصطلحًا جديدًا: الدبلوماسية ذات الاستخدامين

نسخة للاستهلاك الخارجي: نحن في حالة قطيعة.

ونسخة للاستهلاك الداخلي: أهلاً بالأموال والاستثمارات!

ونسخة ثالثة عند وصول المستثمر: شغّلوا الموسيقى… أين السجاد الأحمر؟

المفارقة أن الدولة التي تحتاج إلى الاستثمار تستطيع أن تستفيد من علاقاتها الاقتصادية، وهذا أمر طبيعي في عالم السياسة والاقتصاد.

لكن الطبيعي أيضًا أن يكون الخطاب السياسي واضحًا ومتسقًا مع السلوك الرسمي.

فلا يمكن أن تكون الدولة في حالة حرب دبلوماسية مع جهة ما، ثم تتعامل معها اقتصاديًا وكأن شيئًا لم يحدث، دون أن تقدم للرأي العام تفسيرًا مقنعًا لهذا التناقض.

لأن المواطن السوداني ليس غبيًا.

هو يرى المشهد كاملًا:

في نيويورك: غضب واتهامات وعبارات نارية.

وفي الخرطوم: موسيقى وسجاد أحمر وافتتاح مصرف.

والسؤال البسيط الذي لا يحتاج إلى خبير في العلاقات الدولية:

إذا كانت الإمارات مقاطَعة… فمن الذي نسي أن يخبر السجاد الأحمر؟!

المشكلة ليست أن تستقبلوا المستثمر.

استقبلوه واحتفوا به، فهذا شأن اقتصادي مشروع.

لكن عندها فقط نريد من أصحاب الخطاب السياسي أن يقولوا لنا بكل شجاعة: هل نحن أمام قطيعة سياسية حقيقية، أم أمام قطيعة سياسية تنتهي عند بوابة المصرف؟

فالمواطن لا يريد شعارات.

يريد سياسة واضحة. يريد اقتصادًا يخدمه.

ويريد قبل كل شيء أن يفهم: هل الإمارات خصم… أم شريك؟

لأن الجمع بين الاثنين بهذه الطريقة يجعل المواطن محتارًا: هل نحن أمام سياسة خارجية… أم أمام سياسة «كيل بمكيالين»؟

وفي النهاية، يبدو أن القاعدة الجديدة أصبحت: «الإمارات مرفوضة في الخطاب… مرحب بها عندما تدخل المصالح من الباب!»

وهنا فقط نفهم لماذا بعض السياسيين يملكون خطابين:

واحدٌ للمنابر… وآخرٌ للمصالح. أما المواطن، فيبقى واقفًا بينهما يسأل: يا جماعة… نصدق الكلام ولا نشوف الأفعال؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!