رأي

صحيفة نبض الإقليم الأوسط حين ينهض الهامش بصوته

محمود كاربينو

في مشهد متغير تتخلله الفوضى والعتمة تنبثق صحيفة نبض الإقليم الأوسط كمحاولة جريئة لاستعادة الوعي وسط الركام، وكإضافة واعية لمشروع التغيير القادم من قاع التهميش، لا من مراكز القرار ، هي ليست صحيفة فقط، بل صوت يسترد حق الكلام لإقليم ظل لعقود طويلة مسكوناً بالخذلان ومغيباً عن منصات السرد الوطني، رغم أنه كان وما يزال خزاناً للقيم، ومصنعاً للطاقات التي أثرت الوجدان الجمعي للسودانيين في كل المجالات.

الإقليم الأوسط ليس جغرافيا صامتة بين الشمال والجنوب، بل هو حقل حيوي لنضالات صامتة ومواقف عظيمة لم تجد التوثيق الكافي ، من مدني والجزيرة إلى سنار والقطينة والدويم، خرجت قامات سودانية نبيلة شكلت وجدان هذا الشعب ، مصطفى سيد أحمد، محمد الأمين، ومن سبقوهم ومن تلوهم ، في السياسة كما في الفن، في التصوف كما في الزراعة، كان الوسط دائماً رقماً صعباً، ولكنه ظل محاصراً بسرديات الخرطوم ومهمشاً في خرائط التمثيل السياسي والتنفيذي.

اليوم تأتي نبض الإقليم الأوسط كمحاولة لكسر هذا الحصار، كصوت مقاوم، لا يكتفي بوصف التهميش بل يفضحه، ولا يكتفي بالتعاطف بل يعلن الموقف ، الصحيفة تنتمي إلى القوى المدنية الثورية الاقليم الاوسط ، وهي بهذا لا تنطلق من فراغ، بل من قاعدة اجتماعية مشبعة بالإحساس بالخذلان، متأهبة للانخراط في معركة الوعي بكل أدواتها ، لا تتحدث الصحيفة عن الإقليم بوصفه ضحية فقط، بل كفاعل محتمل، وصانع بدائل، ومالك لحق التقرير والمساهمة في مستقبل السودان الجديد.

الوعي الذي تحمله نبض الإقليم الأوسط ليس وعياً نخبوياً مغترباً عن السياق، بل هو وعي منبثق من الأرض، من الفلاحين، والمزارعين، والطلاب، وأبناء الطرق الصوفية، ومن صمت الأمهات اللواتي ظللن يُربين جيلاً بعد جيل على قيم الصبر والعمل والانتماء ، هي صحيفة لا تبحث عن أضواء العاصمة، بل تضيء من قلب الإقليم شمعة في وجه العتمة ، وهي لا تنتظر الإذن لتتكلم، بل تنطلق من الإيمان بأن الصوت الذي لا يُسمع يتحول إلى بركان.

إن إصدار صحيفة ثورية من إقليم ظل يُعامل كمجرد مساحة عبور، يمثل خطوة سياسية بامتياز، تؤسس لمسار مختلف في معادلة الوعي السوداني ، فالمعركة اليوم لم تعد معركة بنادق فقط، بل معركة خطاب وهوية ورواية ، ومن يملك روايته يملك مستقبله.

الوسط ليس تابعاً، ولا خزاناً انتخابياً، ولا مجرد ممر للقطارات ، إنه وطن مصغر، هو القلب في الجغرافيا، وهو الذاكرة التي لا تموت. ونبض الإقليم الأوسط هي أولى خطوات ترجمة هذه الحقيقة إلى مشروع ملموس عنوانه استعادة الصوت، وبناء الوعي، وشراكة على قاعدة العدالة لا الصدقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!