
جمعة حراز يكتب
في ذلك الصباح الاستثنائي، لم تكن الدموع عنواناً للحزن أو علامةً على الانكسار، بل كانت لغةً أخرى للفرح والانتصار. كانت دموعاً خرجت من أعماق القلوب بعد سنوات طويلة من الانتظار والترقب، سنوات أثقلت كاهل الطلاب وأسرهم بالقلق والخوف على المستقبل. وفي لحظة واحدة، تحولت تلك المشاعر المتراكمة إلى دموع صادقة تحمل معاني الأمل والامتنان والانتصار.
الدمعة الأولى سالت من عيون الطلاب وهم يشاهدون القائد الملهم الفريق أول محمد حمدان دقلو بينهم، حاضراً في لحظة انتظروها طويلاً. لم يكن ذلك الحضور مجرد مشاركة رسمية أو واجب بروتوكولي، بل كان رسالة دعم واضحة لجيل واجه ظروفاً قاسية فرضتها الحرب وأفرزتها سنوات الحرمان. شعر الطلاب بأن هناك من يسمع أصواتهم ويهتم بمستقبلهم ويقف إلى جانبهم في واحدة من أهم محطات حياتهم. لذلك اختلطت مشاعر الفرح بالفخر، وتحولت الدموع إلى شهادة حية على أن الأمل لا يزال ممكناً، وأن المستقبل ما زال مفتوحاً أمامهم رغم كل ما مروا به من معاناة.
أما الدمعة الثانية، فقد جاءت مع لحظة قرع الجرس. ذلك الجرس الذي لم يكن مجرد إعلان لبداية امتحان، بل كان إعلاناً لمرحلة جديدة وانتصاراً لإرادة الحياة على ظروف الحرب. كان صوته أشبه برسالة قوية تقول إن التعليم لا يمكن أن يتوقف، وإن حق الطلاب في التعلم أكبر من كل العقبات. ففي تلك اللحظة تلاقت سنوات الحرمان مع لحظة استعادة الحق، وتحولت المعاناة إلى فرصة، والخوف إلى ثقة، والانتظار الطويل إلى واقع ملموس يراه الجميع بأعينهم.
كانت دمعة عند رؤية القائد، ودمعة عند سماع الجرس، وبين الدمعتين حكاية شعب كامل تمسك بالتعليم باعتباره الطريق الأقصر نحو المستقبل. حكاية أسر صبرت وتحملت، ومعلمين واصلوا أداء رسالتهم رغم الصعوبات، وطلاب رفضوا الاستسلام للظروف مهما كانت قاسية.
ذلك المشهد لم يكن مجرد افتتاح لامتحانات الشهادة السودانية، بل كان درساً بليغاً في الصمود والإرادة. لقد أكد أن الشعوب التي تحمي أحلام أبنائها وتحافظ على حقهم في التعليم قادرة دائماً على تجاوز المحن وصناعة المستقبل. فجرس المدرسة في ذلك الصباح كان أقوى من أصوات الحرب، لأنه أعلن ميلاد مرحلة جديدة عنوانها العلم والأمل والعمل.
هكذا تحدثت الدموع في صمت، وهكذا كتب الطلاب أول سطور الحكاية الجديدة؛ حكاية تؤكد أن العلم ينتصر دائماً، وأن الأمل لا يموت مهما اشتدت التحديات وتعاظمت الصعاب.




