
علي سانتينو
ابداً ليس من المصادفة أن يخرج عبد الفتاح البرهان للمرة العشرين وأكثر، معلناً ما يسمّيه التعبئة العامة للحرب وحشد العسكريين. فالبرهان لا يتصرف كقائد جيش يمتلك قرار مستقل، هو يتصرف كأرجوزة مكتملة تحرّكها أيادي الإسلامويين القذرة المختبئة خلف ستار المؤسسة العسكرية. إن الإعلان المتكرر للتعبئة لا يحمل أي بعدٍ عسكري جاد، بقدر ما يحمل إشارة سياسية واضحة مفادها، لا هدنة، لا وقف إطلاق نار، ولا فرصة لعودة المسار المدني. فكل مبادرة أممية أو إقليمية نحو تخفيف معاناة السودانيين تُجابَه فوراً بقرار تعبئة جديد، وكأن المقصود هو قطع الطريق امام اي محاولة لسلام قريب!
وفي هذا المشهد المُثير، يظهر البرهان كواجهة فقط. فالرجل الذي يبدو في الإعلام قائداً لجيش القوقو، هو في الواقع لا يملك حق اتخاذ قرار بوقف الحرب، لأن ذلك الحق محتكراً بالكامل في قبضة الحركة الإسلاموية التي استعادت نفوذها داخل الجيش منذ سنوات. واي خطوة يعلنها البرهان، من تعبئة واستنفار هي في الواقع ترجمة لأوامر تاتية من قادة النظام السابق على رأسهم المخلوع البشير الذي يدير المشهد من خلف الستار، عبر الشبكات المتمكنة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية!
الإسلاميون لا يريدون هدنة ولا تسوية. إنهم يرون في استمرار الحرب فرصة ذهبية لتصفية خصومهم السياسيين، وللتهرب من العدالة التي تلاحقهم منذُ سقوط نظامهم في 2019. الحرب بالنسبة لهؤلاء ليست حدثاً عارضاً، هي استراتيجية بقاء، بقاء نفوذهم، وبقاء منظومتهم المالية وبقاء سيناريو عودتهم للحكم عبر الخراب. وليس غريباً أن تكون التعبئة العامة بلا جمهور حقيقي وبلا متطوعيين للقتال. فالشعب المنهك لا يستجيب، والقبائل التي كانت تُستنزف في حروب الماضي لم تعد مستعدة للقتال من أجل أجندة الإسلاميين. لكن الغريب حقاً هو إصرار البرهان على الادعاء بأن هناك استنفاراً شعبياً، بينما الحقيقة هي أن قوى خارجية مثل بعض الأنظمة التي دعمت الانقلابات العسكرية تاريخياً، هي من تساند هذا المسار، دعماً سياسياً أو مالياً أو إعلامياً. ومعلوم أن بعض العواصم المتامره على الديمقراطية في السودان تموّل غرف الإعلام التضليلي التي تعمل على تسويق الحرب وكأنها قدر وطني، بينما هي في الواقع مشروع سياسي لفئة تبحث عن النجاة بأي ثمن!
أما صفقات التمويل والتسليح، فذاك باب آخر من أبواب التمكين الحربي. فالحركة الإسلامية نشطت بشكل واضح في استجلاب السلاح من إيران وتركيا، وفتحت قنوات قديمة كانت تستخدمها أيام حكمها، بينما يخرج المنافق البرهان بوجه مرتبك ليحدث العالم عن سيادة الدولة ودورها في تحقيق السلام. أي سلام يتحدث عنه الرجل وهو أسير تنظيمي لا يملك من أمره شيئاً، أي شرعية لقائد لا يستطيع اتخاذ قرار بوقف إطلاق النار حتى لو أراد؟
المسألة لا تتعلق بالبرهان كشخص بقدر ما تتعلق بالبنية التي تحمله وتحمية، فالرجل ليس إلا واحداً من عناصر الحركة الإسلاموية التي أعادت إنتاج نفسها داخل الجيش وتمكنت من ادارة المشهد في غفله من الايام. ووجوده في الواجهة يوفر لهم غطاءً مناسباً لتحريك الحرب كما يشاؤون، ولعرقلة أي محاولة لإعادة السلطة للشعب. لذلك فإن كل إعلان تعبئة هو في جوهره إعلان من الحركة الإسلاموية نفسها، لا من قائد الجيش!
إن أخطر ما في المشهد هو أن هذه الحرب لم تعد مجرد صراع على السلطة، لكنها تحولت تماماً إلى مشروع إقليمي لتوسيع مساحة الإرهاب والفوضى في المنطقة، حيث يمنح استمرارها للإسلامويين الوقت الكافي لإعادة بناء شبكاتهم الاجرامية الارهابية، وخلق واقع جديد يمنع أي محاسبة أو عدالة ناجزه لضحايا الانتهاكات منذ العام 89 وعليه، فإن أطالة أمد الحرب ليست خطأً عسكرياً كما يعتقد البعض بل هو قرار سياسي مقصود!
الذي يجب ان يفهم هو ان البرهان ليس صاحب قرار، ولا قائد حرب، ولا صانع سلام. هو فقط الواجهة التي تُخفي وراءها مشروعاً منظماً لاستمرار الإسلامويين في السلطة عبر الدمار والدماء، ومن ينتظر أن يوقف البرهان الحرب كمن ينتظر من الدمية أن تقطع خيوط صانعيها.



