بين وهم “الدعاية الحربية” وحقيقة الجلاد
قراءة في بيان مناشدة عمنا المهندس أبوبكر حامد نور القيادي بحركة جبريل لقائد الجيش بضرورة فك حصار الفاشر


مجدي مصطفى – باحث في قضايا الأمن
نعم تحرير مدينة الفاشر صار وشيكا. وهو أمر حتمي لا مفر منه في ظل إصرار السودانيين على تحرير وطنهم من سيطرة الجيش مطية الكيزان.
في ظل إنتشار أجواء الحرية و التحرر التي أصبحت على أعتاب الفاشر المدينة التاريخية للسلطان الشهيد على دينار، الذي رفض التبعية و قاومها حتى الشهادة.
طالعنا في بيان عاطفي، منسوب إلى الباشمهندس أبوبكر حامد نور، أحد أبرز وجوه حركة جبريل، يناشد فيه مختلف القيادات العسكرية والسياسية في السودان لفك “حصار الفاشر”، محذرًا من أن سقوط المدينة، “اي تحريرها من سيطرة الجيش و الإستخبارات و الكيزان”، يعني سقوط السودان بأسره تحت قبضة “المليشيا المتمردة”، كما وصف.
في الحقيقة، ما وراء هذا البيان لا يمكن فصله عن السياق المعقّد الذي أنتج هذا الموقف، ولا عن التاريخ الطويل من التناقضات في خطاب الحركات المسلحة، التي لطالما رفعت شعارات التحرير والعدالة، لتعود فتتحالف مع ذات النظام الذي ثارت عليه، أو تُعيد إنتاج سرديته مقابل امتيازات سلطوية دون أي تغيير في بنية النظام و الدولة التي ثاروا ضدها!.
الإنتقائية العرقية في تعريف العدو
يبدو واضحاً أن البيان يعكس انزلاقاً خطيراً نحو انتقائية عرقية في توصيف الصراع. ففي الوقت الذي يشيطن فيه الدعم السريع بوصفه “المليشيا المتمردة”، يتجاهل البيان عن عمد دور الجيش نفسه، الذي كان – ولا يزال – الحاضنة الأساسية لإنتاج المليشيات، فإن كان الباشمهندس أبوبكر حامد و جبريل و مناوي يجدون في ترديد دعاية الجيش الحربية مبررا أخلاقيا للمشاركة في حرب عشوائيه عبثية في السودان، و يرون في الجيش أحقيه بأن يستعين بمن يريد من المليشيات و الجماعات و يسبغ عليها الشرعية كما هو حال مجموعات الحرب في بورتسودان، و التي تعد قوات العدل والمساواة واحدا منها، فقوات الدعم السريع ما نشأت الا في ذات الأجواء، فعن اي مليشيا يتحدث الباشمهندس أبوبكر حامد نور؟
أليس من العبث السياسي أن تُنعت قوات الدعم السريع بـ”العملاء والمرتزقة”، بينما يُقدَّم الجيش الذي صنعهم، وسلّحهم، وأطلق لهم العنان، بوصفه الحامي الشرعي للوطن؟ أليس هذا تزييفاً للحقائق التي دفع ثمنها مئات الآلاف من الضحايا؟
بل ألم يكن الباشمهندس أبوبكر حامد نور ذات نفسه في خانه المرتزقة العملاء الأجانب التشاديين حسب توصيف الإستخبارات العسكرية و دعاية الجيش الحربية؟!
العدل والمساواة: من مقاومة التهميش إلى حماية الدولة العميقة؟
حين خرجت حركة العدل والمساواة إلى العلن بقيادة الراحل د. خليل إبراهيم، كانت تحمل أطروحة إصلاحية عميقة من صلب “الكتاب الأسود”، والذي فضح هيمنة قلة مركزية على مقدرات البلاد. لكن هذه الحركة سرعان ما انزلقت إلى الإستقطاب العرقي، وتحولت إلى أداة تفاوض للحصول على السلطة لا على التغيير الجذري. و هذا ما يحاول قادتها تسويقه الآن للشعب السوداني. في حين أن هؤلاء القادة يقفون عاجزين ليس عن صنع تغيير جذري في بنية المركز المتسلط، بل عاجزين حتى عن معرفه مصير أسرى حركتهم في معركة قوز دنقو الشهيرة. الذين راحوا شمار في مرقه سجون الإستخبارات السرية.
اليوم، حين يصطف قاده حركة العدل والمساواة مع الجيش الذي لطالما كان أداة لفرض الهيمنة المركزية، فإننا لا نشهد فقط تراجعاً سياسياً، بل انقلاباً على المبادئ و القيم التي وُلدت منها الحركة نفسها، ما يعكس مستوى الإنحدار.
الخطر الحقيقي: الجيش أم الدعم السريع؟
هذا السؤال تعسفي.
لانه لا يوجد مجال لتبرئة الجيش من الجرائم الموثقة ضده، و التي يعرفها كل السودانيين، خصوصا سكان معسكرات النزوح التي تضم اكثر من نصف سكان السودان. هذا غير جرائم الجيش في حرب الجنوب التى أدت إلى بتر جزء عزيز من شعب السودان و أرضه. أيضا لا مجال للمقارنة بين موقف الجيش التمسك بشرعية مزورة، و موقف الدعم السريع المنحاز إلى تأسيس السودان الجديد القائم على مبدأ العدالة و المواطنة المتساوية.
لذا فإن محاولات تصوير الدعم السريع كخطر معزول هو مناورة غير منطقية و غير أخلاقية، و فيها قدر عالي من الخطورة، لانها تحاول ان تعفي الجيش من مسؤوليته التاريخية عن جرائم الحروب، و جريمة الانحياز لفئات قليلة من السودانيين و شن حروب الإبادة الجماعيه ضد قطاعات رئيسية من الشعب السوداني.
بل هي محاوله يائسة لمنح القتله و المجرمين من قادة الجيش و الكيزان غطاءً سياسياً يمكنهم من الافلات من العقاب ليعيدوا إنتاج ذات الدولة القمعية باسم “استعادة الوطن”.
السودان يحتاج إلى ثورة وعي، لا تحالفات انتهازية
لا ندري كيف غاب عن عمنا الباشمهندس أبوبكر حامد نور و هو في هذا العمر، و بعد تجربته الكبيرة في مقاومة المركز، من إدراك ان ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من البيانات العاطفية، ولا الخطابات المعبّأة بالتحذيرات الفارغة من شاكلة “سقوط المدن”، بقدر ما نحتاج إلى كشف بنية السلطة التي حكمت السودان منذ الاستقلال، و شنت الحروب العبثية كما هذه الحرب المستمرة، و التي قتل فيها ما لا يقل عن 150 الف مواطن مدني، و تشرد حوالي 12 مليون اخرين حسب تقديرات لمنظمات اممية.
نحن نحتاج يا عمنا أبوبكر حامد نور الى كشف تحالفات تحت الطربيزة، بما فيها تحالفات العسكر والكيزان وبعض الحركات المسلحة. ذلك التحالف الذي يرفض وقف الحرب على أساس مباديء الندية و العدالة و المواطنة المتساوية. و يصر على سيادته المزورة على السودان و شعبه.
الفاشر لم تكن يوما رمزاً للخيانة، بل كانت شاهدة على فشل مشروع الدولة السودانية في تحقيق العدالة. وإن كانت ثمة فرصة حقيقية لبناء السودان الجديد، فإنها تبدأ من تفكيك البنية التي أنتجت هذا الجيش المنحاز، وليس في الوقوف مع هذا الجيش الذي يريد بناء دورة من حكم العسكر على جماجم السودانيين.
السودان لا يسقط بتحرير مدينة الفاشر. بل يسقط حين يتحول المناضلون السابقون إلى حرّاس للجلاد، ويُعاد تدوير القتلة و المفسدين في الأرض باسم الوطنية.




