رأي

أمجد جعفر يكتب ما جرى مع القراي، وما جرى لحكومة حمدوك، ليس إلا تعبيرًا عن خوف التيارات الشمولية من الوعي

لماذا فزع الكيزان من المناهج أكثر من المحكمة؟

رغم التحديات التي واجهت حكومة الثورة بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك، إلا أن أكثر ما أربك منظومة الشمولية القديمة، لم يكن ملف الاقتصاد، ولا المحاسبة، ولا حتى تفكيك التمكين… بل ما كان يجري في صمت تحت السطح: تفكيك العقل الكيزاني.فالحكم الشمولي في السودان لم يكتفِ باحتكار السلطة والسلاح، بل عمل لعقود على تكوين (عقل جمعي) مُبرمج على الطاعة والخوف والقداسة الزائفة، عقل يتلقى ولا يسأل، يُكفّر قبل أن يفهم، ويتبع بلا مراجعة.ولأول مرة، في عهد الثورة، بدأ مشروع يلمس هذا الجذر الخطير.
القراي… من المنهج إلى المواجهة
حين تم تعيين البروفيسور عمر القراي مديرًا للمناهج، لم يكن في موقع فني فحسب، بل في موقع تاريخي حساس:
كان يملك معرفة دقيقة بخفايا المناهج الكيزانية التي صُمّمت خصيصًا لإنتاج مواطن مؤدلج، يرى الدولة الإسلامية فوق الوطن، والطاعة فوق الحرية، والتنظيم فوق الإنسان.القراي لم يأتِ ليطمس الدين كما زعمت الحملات، بل ليعيد للعقل دوره بعد أن صادره خطاب (الجهاد)، و(التمكين)، و(الحاكمية).كان يُعيد رسم صورة الطالب السوداني كإنسان مفكّر، لا كوقود مشروع شمولي. ولذلك، لم يحتملوه.شُنّت عليه أشرس حملة شيطنة، واستُخدمت ضده سُلطات العاطفة الدينية والتشويه الإعلامي، لأنه اقترب من أخطر سلاح يملكونه: المناهج.

الكيزان لم يسقطوا فقط دولة… بل صنعوا عقلية تخدمهم حتى بعد زوالهم
أخطر ما فعله الكيزان أنهم لم يبنوا فقط سلطة، بل أنتجوا عقلية كيزانية قابلة للتكاثر الذاتي.عقلية تبرر القتل باسم الوطن، تهاجم المدنيين باسم الجيش، وتصفق لأي استبداد بشرط أن يكون بزي نظامي.واليوم، تجد بوضوح أن من يُبرر استمرار الح^رب، ويشيطن كل صوت مدني، ويسخر من محاولات بناء السلام… هم نتاج مباشر لتلك العقلية البلابسة التي أسّسها الكيزان، وحرسوها بالمناهج، وأطعموها بالكراهية.
ولهذا، فإن تفكيك هذه العقلية – لا الأجهزة – هو المعركة الأهم.
حمدوك وحكومته: إصلاح هادئ في قلب العاصفة
فيما كان القراي يخوض معركة المناهج، كانت الحكومة المدنية تحاول التأسيس لدولة جديدة من رحم الخراب.ورغم الحصار الاقتصادي، والأزمات المفتعلة، والجيش الذي يحتكر المال والسلاح، والدولة العميقة التي تقاوم في كل وزارة ومؤسسة، استطاعت الحكومة الانتقالية أن تنجز في ملفات عدّة:
الخروج من قائمة الإرهاب:
ولأول مرة منذ أكثر من 27 عامًا، خرج السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مما فتح الأبواب للتعامل المالي والدبلوماسي مع المجتمع الدولي.
بدء تفكيك منظومة التمكين:
تمت مصادرة أصول ضخمة استولى عليها رموز النظام السابق، وتم إبعاد مئات الكوادر الأمنية والسياسية من مواقعهم، وفتح ملفات فساد بحجم الدولة نفسها.
برنامج ثمرات والدعم المباشر:
بدلاً من اقتصاد يقوم على الدعم العشوائي والتهريب، بدأ تنفيذ برنامج دعم نقدي مباشر للفقراء، كخطوة نحو عدالة اجتماعية حقيقية.
إصلاحات نقدية ومالية:
تم توحيد سعر الصرف، والسيطرة على التضخم تدريجيًا، ووضع خطة كاملة لإعفاء ديون السودان الخارجية، التي تجاوزت 50 مليار دولار.

توقيع اتفاق جوبا للسلام:
رغم ما فيه من تحفظات، إلا أن الاتفاق أوقف نزيف الح^رب مع عدد من الحركات المسلحة، وفتح الباب لمشاركة قوى كانت مهمّشة لسنوات.

إلغاء القوانين القمعية:
أُلغيت قوانين النظام العام، وارتفعت سقوف الحريات، وتراجعت يد الأجهزة الأمنية في الإعلام، ولم يُسجن صحفي واحد في عهد حمدوك.
لماذا أُسقطت الحكومة؟
الحكومة لم تُسقط لأنها فشلت، بل لأنها بدأت تنجح.
وبدأت تفكك أدوات الشمولية:
– من الإعلام الموجه،
– إلى الاقتصاد الريعي،
– إلى العقل المؤدلج.
ولذلك، كان لابد من إسقاطها بانقلاب عسكري.حتى تعود قبضة الدولة إلى من لا يريدون تغييرًا، ولا حرية، ولا سؤالًا.
الخاتمة: بين الجهل والخوف، ينهزم الوعي… مؤقتًا
ما جرى مع القراي، وما جرى لحكومة حمدوك، ليس إلا تعبيرًا عن خوف التيارات الشمولية من الوعي.
لأنهم يعرفون أن المواطن المفكّر أخطر من كل بندقية.
فإذا أردنا فعلًا بناء سودان جديد، فالمعركة يجب أن تبدأ من حيث توقفت: تحرير العقل.
وليس صدفة أن أول ضحية كانت (إصلاح التعليم).
وليس صدفة أن أول من واجهوه كان (القراي).
وليس صدفة أن أول حكومة أُسقطت… كانت أول حكومة تقول:
لا نخشى النقد… نريد مواطنًا يسأل، لا يهتف فقط.

#لازم_تقيف
#لاللحرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!