رأي

“الجزيرة السودان”.. من منصة إخبارية إلى منبر تعبئة: حين تتحول الصحافة إلى “ساحات فداء رقمية”

عمار سعيد

في ذروة حربٍ ضروس تعصف بالسودان وتكاد تلتهم ما تبقى من دولته ومجتمعه، كان يُنتظر من المؤسسات الإعلامية، خاصة تلك التي تدّعي الاستقلال والاحترافية، أن تكون صمام أمان معرفي يضيء زوايا الحقيقة، ويكشف للمواطنين والعالم دوافع الفوضى وأصوات الضحايا وأصابع المتسببين فيها. لكن ما تقدمه صفحة “الجزيرة – السودان” على فيسبوك، التابعة لشبكة الجزيرة الإخبارية، يبدو بعيدًا كل البعد عن هذا الدور المنشود.

**من قناة مستقلة إلى صدى رسمي**

رغم أن شبكة الجزيرة الدولية كثيرًا ما تتفاخر بانتهاجها خطًا تحريريًا مستقلاً، فإن صفحة مكتب السودان أصبحت أقرب إلى الناطق غير الرسمي باسم السلطة أو الجيش، تُعيد نشر البيانات الرسمية، وتُروج لتحركات القوات الحكومية، وتُهمش عمدًا أو ضمنيًا القوى المدنية، أو حتى رواية الطرف الآخر من الصراع.

تغيب عن الصفحة المهنية الصحفية التي تعني تقديم جميع أطراف القصة، وتُستبدل بمنهجية سطحية تكرّس للخبر السلطوي دون تحليل أو تمحيص. ما يُنشر يبدو أشبه بـ”تغطية علاقات عامة” للجيش أو الحكومة، وليس تغطية صحفية مستقلة تقف على مسافة واحدة من الأطراف.

**”ساحات فداء” تعود.. ولكن بلغة رقمية**

لا يمكن للمراقب إلا أن يلاحظ التشابه الصادم بين ما تبثه هذه الصفحة وما كان يبثه برنامج “في ساحات الفداء” في تسعينيات القرن الماضي — ذلك البرنامج التعبوي الذي صنعته آلة الدولة الإسلامية وقتها لتجنيد العقول وتغليف المعارك بقدسية زائفة. اليوم، يتكرر ذات النهج ولكن بثوب جديد: **فيديوهات سريعة، وشهادات من جبهات القتال، وعناوين تلمّع طرفًا وتطمس آخر**، بينما تغيب المأساة المدنية وتتوارى الحقيقة خلف الأجندة.

**انهيار المنهجية المهنية**

من أهم مظاهر الخلل:

* **غياب التعدد في المصادر**: لا تقدم الصفحة رواية الطرفين، ولا تحرص على تضمين آراء المدنيين أو الناشطين أو المحللين المستقلين.

* **انعدام التحليل**: يُنشر الخبر المجرد دون خلفية سياسية أو استراتيجية توضح دوافعه أو تداعياته.

* **ضعف التحقق والمساءلة**: وسط ساحة مشتعلة بالدعاية، تفتقر الصفحة إلى أدوات التحقق الجاد، ولا تراجع ما تنقله من روايات حكومية أو عسكرية.

**حياد مفقود، ومصداقية مهددة**

الحياد ليس رفاهية، بل هو جوهر العمل الصحفي. والجزيرة – السودان، في نسختها الحالية، تخلّت عن هذا المبدأ طواعية، ما يجعلها لا تختلف كثيرًا عن حسابات إعلام الحرب التابعة لأي طرف مسلح. إن تجاهل أصوات الضحايا، وتقديم طرف واحد على أنه “الحقيقة المطلقة”، يُضعف من ثقة الجمهور، ويحوّل الوسيلة إلى أداة دعاية، لا منصة إعلام.

**حان وقت إعادة ترتيب البيت الداخلي**

إن استمرار هذا الأداء لا يخدم السودان ولا يخدم الجزيرة نفسها. آن الأوان لأن **تعيد شبكة الجزيرة تقييم أداء مكتبها وصفحتها بالسودان**، من حيث الكادر، والنهج التحريري، وأدوات التغطية، وإلا فإنها ستكون قد تخلّت عن جوهر رسالتها — وأصبحت جزءًا من معركة لا تليق بمن يزعم الاستقلالية.

صفحة “الجزيرة – السودان” اليوم لا تنقل الحقيقة، بل تعيد إنتاج خطاب رسمي معلب، تفتقر للتعدد، للتحليل، وللمسؤولية. لقد تحولت من منصة صحفية إلى نسخة رقمية من “ساحات الفداء”، حيث تختفي مهنية الصحافة، ويُستبدل بها دفق تعبوي لا يخدم إلا أجندة طرف واحد في حرب دفع ثمنها المواطن السوداني البسيط.

**فهل تراجع الجزيرة موقعها قبل أن تفقد ما تبقى من مصداقيتها؟**

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!