
أدم موسى عبدالله
يتجلى الحرج الأخلاقي والسياسي للمجتمع الدولي كلما بلغت الحرب في السودان منعرجاً ميدانياً حاسماً؛ حيث تعود ازدواجية المعايير لتسود المشهد، مفصحة عن كيلٍ بمكيالين لم يعد ممكناً التغاضي عنه أو التستر عليه. ويظهر هذا التناقض الجلي في تعالي الأصوات والبيانات الدولية الداعية لفرملة تقدم قوات الدعم السريع نحو مواقع استراتيجية بعينها، كمدينة الأبيض، في مقابل صمتٍ مريب وعجز تام عن ممارسة أي ضغط حقيقي وملموس على الطرف الآخر للقبول بهدنة إنسانية شاملة، وفتح الممرات الآمنة للمحاصرين في مختلف الولايات.
إن هذا الانحياز الضمني—أو العجز المُبرر ببلاغة دبلومسيّة باردة—يضع قوات الدعم السريع أمام واقع ميداني لا يترك مجالاً للمداراة أو التراجع. فالفرَق والتحصينات العسكرية الممتدة في مدن محورية مثل الأبيض، كوستي، الدبة، ودنقلا، لم تعد مجرد ثكنات دفاعية تقليدية، بل تحولت عملياً إلى مراكز انطلاق للعمليات الهجومية، ومصادر تهديد مباشر وشديد الخطورة لمحيطها الجغرافي ولحياة المدنيين العزل. ومن هذا المنطلق، فإن التعامل العسكري مع هذه الحشود والتحركات لا ينطلق من رغبة مجردة في التوسع الجغرافي، بقدر ما هو ضرورة ميدانية وأمنية ملحة تفرضها متطلبات حماية المناطق الخاضعة للسيطرة، وتأمين المواطنين من التهديدات القائمة والمتواصلة.
إن التمسك بفراميل “وقف التمدد الميداني” واستهداف طرف واحد دون إلزام الطرف الآخر بوقف شامل لإطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإغاثية بلا قيود، يمثل معادلة اختلال صريحة تفقد المبادرات الدولية حياديتها وجدواها تماماً. إذ لا يمكن منطقياً ولا عسكرياً مطالبة طرف يمسك بزمام المبادرة الميدانية بأن يقف مكتوف الأيدي أمام التجييش والتحركات العسكرية المتواصلة لخصمه، لمجرد إرضاء بيانات دولية منتقاة تصمت عمداً عن الأسباب الحقيقية والعميقة للأزمة.
لقد حان الوقت كي يخرج المجتمع الدولي من دائرة البيانات الموسمية وإبداء القلق الصوري، إلى خانة ممارسة ضغط فعال وشامل يفرض السلام العادل على الجميع دون استثناء أو مواربة. وحتى يتحقق ذلك التغيير الجذري في الموقف الدولي، يظل التمسك بحق الدفاع المشروع عن الأرض والسكان، وتحييد مصادر الخطر العسكري المباشر، هو الخيار الميداني الوحيد المتاح لإعادة التوازن للساحة، وفرض واقع جديد يضمن حماية المدنيين ويدفع جاداً نحو حل سياسي حقيقي وشامل ينقذ البلاد.




