
د. خالد تارس
في خضمّ الخراب المستطير والدمار الذي أحدثته الحرب المستعرة في السودان، وما ترتّب عليها من فجائع ووجائع إنسانية وتدهور شامل لبنى الدولة وهتك نسيجها الاجتماعي، تبرز المبادرة الأمريكية عبرالآلية الرباعية، وهي بارقة أمل تخترق الأفق المسدود على المشهد السياسي السوداني، المبادرة في راي تمثل سعيًا حثيثًا لوقف نزيف الدم وفتح صفحة جديدة في سجلّ البلاد المثقل بالنزاعات والانقلابات والارهاب.
تسعى الولايات المتحدة الأمريكية، بالتنسيق مع شركائها في الآلية الرباعية ممثلة في المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومصر إلى بذل جهودٍ دبلماسية متواصلة لإحداث اختراق سياسيّ من شأنه أن يمهّد لوقفٍ فوريّ لإطلاق النار، وإفساح المجال لوصول المساعدات الإنسانية إلى ملايين الضحايا من السودانيين المحاصرين في بؤر الصراع وفي الملاجئ، دون اي تمييز أو عراقيل من اطراف الحرب، تأتي هذه المساعي في سياق إدراكٍ متأخر لادارة الرئيس ترامب وإن كان ضروريًا بأنّ استمرار الحرب سيؤدي حتمًا إلى اتساع رقعة الانهيار وتفشي مظاهر الفوضى والارهاب، فهي انهيارات لا يهدد السودان وحده، بل يمتد أثرها ليعصف بالاستقرار الإقليمي برمّته.
ولعلّ ما يميز هذه المبادرة دون غيرها على الساحة هو مسعاها لدمج مسارين متوازيين: أحدهما إنساني عاجل وآخر سياسي أوسع نطاقًا، فمن جهة تركز (واشنطن) على فرض هدنة إنسانية تمهّد لإعادة بناء الثقة المفقودة، ومن جهة أخرى تمضي قدمًا في تنشيط قنوات التواصل مع طرفي الصراع الرئيسيين، القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، في محاولة جادة لتقريب وجهات النظر المبعثرة، وتشييد أرضية مشتركة تُمكنّ الشركاء من إطلاق حوار سياسي شامل لن يتخلف عنه سوى نظام المؤتمر الوطني والشُلة (الفاسدة).. التي توالت معه لمدى ثلاثين عاماً من السيطرة والاستبداد، حيث تطمح الآلية الرباعية والتي تضم حلفاء مؤثرين على الاطرف في مرحلة لاحقة إلى جمع الفرقاء السودانيين إلى جانب قوى دولية وإقليمية فاعلة، وقادة مدنيين لصياغة رؤية انتقالية جديدة تقوم على أسس الدولة المدنية الجديدة، وتحقيق التحول الديمقراطي المنشود، دولة تُرسى دعائمها على سيادة حكم القانون، وتفصل بين السلطات وتستعيد الاعتبار لمؤسسات الخدمة العامة، وتصون كرامة الإنسان السوداني في ظلّ قيم الحرية والعدالة والسلام.
ليس خافيًا أن هذه المبادرة تأتي استجابةً لنداء الشارع السوداني، الذي انتفض في ديسمبر المجيد وقدم اروع التضحيات من اجل التغيير، حالمًا بوطنٍ حر تسوده العدالة، ويعلو فيه صوت الشعب على هدير الرصاص والة القمع والبطش التي كانت سائدة لعقود من الزمان. إنها محاولة جادة لبعث (الحلم) القديم من تحت ركام الحرب والجثث المتحلله، في إعادة الأمل إلى أمة أنهكتها التجاذبات ومزقتها المصالح الضيقة وقزمتها العنصرية، لكن يبقى التحدي الأكبر، هل تملك الإدارة الأمريكية وحلفاؤها الإرادة السياسية الكافية لممارسة ضغط فعلي وحاسم على أطراف الحرب.؟ وهل تستجيب النخب السودانية لهذا النداء الدولي، فتتخلى عن صراع السلطة الضيق وتترك التحريض والانحيازات المناطقية والجهوية، وتضع مصلحة الوطن فوق اعتبارات النفوذ والهيمنة؟
إنّ الإجابة على هذه التساؤلات لا تزال رهينة الأيام القادمات، لكنّ ما لا شك فيه هو أن المبادرة الأمريكية قد تمثّل الفرصة الأخيرة لإنقاذ ما تبقى من السودان، ولا توجد فرصة في الافاق الواسعة، مع انسداد داخلي عقيم جعل القوى الوطنية عاجزه عن انتاج حلول سياسية تجنب البلاد الاجندة الدولية، وفي حالة خضوع الاطراف الى التحريض السياسي وعدم الاستجابة للحلول الدولية المطروحة كما يحدث لدى الجيش من تدخلات سافرة تقوم بها عناصر في النظام البائد من اجل السيطرة على قيادة الجيش للاستمرار في الحرب من اجل المكاسب السياسية على حساب الامن والاستقرار في المنطقة وزيادة معاناة المواطنين، فإن الادارة الامريكية قد تلجأ الى حلول بديلة اكثر غلظة وتشدداً، ليس في انزال عقوبات وانما تدخلات عسكرية محتملة لفرط الاستقرار وتجنيب المنطقة خطر الارهاب، وهو سيناريو معقد بكل الحسابات، هذا السيناريو انهم يرونه بعيداً ونراه قريبا.




