
عباس احمد السخي
في خطوة مفاجئة، غادر البرهان الى سويسرا إلى سويسرا للقاء المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط مسعد بولس، في وقت تزامن مع وصول وفد من قوات الدعم السريع إلى لقاء مماثل مع بولس، ما يعني أننا أمام حوار غير مباشر بين الطرفين وبغطاء دولي واضح. المعلومات المتاحة ترجّح أن الغاية الرئيسية هي التباحث حول وقف إطلاق النار، وهو ما يفتح الباب لسؤال جوهري: ما الذي أجبر البرهان والإخوان المسلمين، الذين يمسكون فعليًا بإدارة الحرب في السودان، على الذهاب إلى طاولة المفاوضات الآن؟
الإجابة تكمن في مزيج من أسباب داخلية تتعلق بسير المعارك وموازين القوى، وأسباب خارجية ترتبط بالضغوط الدولية والإقليمية، فضلًا عن حسابات إستراتيجية للإخوان المسلمين تتجاوز مجرد قبول الهدنة.
أولًا: الأسباب الداخلية
1.سقوط أسطورة “الصياد”
الهزائم الكارثية المتتالية التي تعرّض لها متحرك “الصياد” في مناطق النهود والخوي وأم صميمة وأم سيالة أنهت عمليًا سمعته التي روّجت لها آلة الدعاية الحربية، بعد أن فقد غالبية قادته وجنوده.
2.فشل الحركات المسلحة في المالحة
قوات الحركات المسلحة الموالية للجيش مُنيت بهزيمة واضحة في معارك المالحة، وفشلت في كسر حصار الفاشر، ما عمّق أزمة الثقة في فعاليتها القتالية.
3.تعثّر متحرك الدبة
هناك متحرك “الدبة” الذي أُلغي أكثر من مرة بسبب ضعف الجاهزية لمواجهة قوات الدعم السريع التي تحرس الفاشر، ما عكس عجزًا عملياتيًا واضحًا.
4.المثلث الحدودي المثير للرعب
كذلك سيطرة قوات الدعم السريع على المثلث الحدودي بين السودان وليبيا ومصر أثارت قلق القاهرة، ودفعتها لممارسة ضغوط مباشرة على البرهان خشية تمدد الحرب إلى مناطق حساسة لأمنها القومي.
5.إخفاق حكومة كامل إدريس
الحكومة التي يقودها كامل إدريس فشلت في تحقيق أي اختراق دبلوماسي أو اقتصادي، بينما تفاقمت الأزمة الإنسانية والاقتصادية بفعل ضعف الخبرة وقلة التفويض.
6.أزمة اقتصادية خانقة
الموارد المالية الشحيحة، انهيار سعر الصرف، والعجز عن توفير الاحتياجات الأساسية، شكّلت ضغطًا متزايدًا على القيادة العسكرية.
ثانيًا: الأسباب الخارجية
1.الضغط الأمريكي
واشنطن طالبت بوقف الحرب وفتح الطريق أمام حكومة مدنية انتقالية بعيدة عن تأثير الجيش والدعم السريع، وهو ما حمل تهديدات غير مباشرة بعقوبات أوسع.
2.الضغط الأوروبي
المجلس الأوروبي شدّد، في تقريره الأخير، على ضرورة إنهاء الحرب عبر فترة انتقالية بقيادة مدنية، متوافقًا مع الطرح الأمريكي.
3.التحوّل في الموقف المصري
بعد فقدان الجيش المثلث الحدودي، فتحت القاهرة قنوات مع قوات الدعم السريع، وغيّرت موقفها جذريًا لتتبنى الرؤية الأمريكية–الأوروبية حول الحكومة المدنية الانتقالية.
ثالثًا: حسابات الإخوان المسلمين
قبول الإخوان المسلمين بوقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة اقتناعهم بسلام مستدام، بل قد يكون تكتيكًا مرحليًا هدفه استثمار تداعيات الهدنة على خصومهم. تاريخ الجماعة في السودان يوضح أنها تجيد اللعب على ما بعد الاتفاقات، مستغلة الفترات التي تعقب وقف إطلاق النار لإضعاف الطرف الآخر من الداخل.
الرهان هنا على أن قوات الدعم السريع ستكون أكثر عرضة للتصدع بعد الهدنة، بسبب التزاماتها المالية الكبيرة تجاه الجرحى والرواتب وتعويضات المفقودين. وعليه فإن ضعف الوفاء بهذه الالتزامات قد يفتح الباب أمام الانقسامات الداخلية، وهو ما قد تستثمره الجماعة والجيش لإضعاف خصمهم تدريجيًا، وربما تفتيته من الداخل، إذا لم تضع قيادة الدعم السريع خططًا واضحة لمعالجة هذه التحديات.
خاتمة
ذهاب البرهان والإخوان إلى سويسرا ليس انعطافة نحو السلام بقدر ما هو محاولة للخروج من مأزق عسكري واقتصادي وسياسي خانق، تحت وطأة ضغوط إقليمية ودولية متصاعدة. لكن ما سيجري بعد أي وقف لإطلاق النار قد يكون أكثر أهمية وخطورة من لحظة التوقيع نفسها، لأن الصراع في السودان أثبت مرارًا أن المعركة الحقيقية تبدأ غالبًا عندما يصمت المدفع.




