رأي

ود الحلمان: البرهان يُهدي تل أبيب بندقية… ويبحث عن الحب في جيب خامنئي!

عمار نجم الدين

عمار نجم الدين

في المسرح السوداني لا تُعرض الفصول بترتيب منطقي، بل تُقذف الأحداث كما تقذف ( الحلاوة ) في حفلة أطفال. فحين يُهدي الفريق أول عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة وقائد “اللاشيء الواضح”، بندقية M16 هجومية إلى وزير الاستخبارات الإسرائيلي إيلي كوهين، لا نتحدث عن هفوة دبلوماسية، بل عن مسرحية سياسية عنوانها: “كيف تبيع كرامة شعب… بسلاح لا يُطلق!”

المفارقة أن كوهين نفسه، رجل الاستخبارات المخضرم، قال لموقع Ynet العبري:

“فوجئت بالهدية. كانت بندقية هجومية حقيقية، وليست مجرد لعبة أطفال. تم تفكيكها على متن الطائرة… وسأحتفظ بها في مكتبي، ويمكن لأي زائر أن يراها.”

يا سلام! كأن البرهان لم يكن يسعى فقط لنيل الرضا الإسرائيلي، بل أراد أن يبقى أثر تملقه معروضًا في مكتب إسرائيلي رسمي، ليُقال لاحقًا: هذه بندقية السودان… لا رمزًا للسيادة، بل تذكارًا من الجنرال الذي لم يجد مكانًا يحبه، فحمل السلاح… كهدية!

إنها لحظة دبلوماسية عبثية بامتياز، يُقدّم فيها سلاح حقيقي لدولة أجنبية، بينما لا تزال البلاد تتخبط في صراع داخلي دموي، ويُستخدم فيها السلاح الحقيقي ضد أبناء البلد، لا ضد أعدائه. فهل كان البرهان يُجامل إسرائيل… أم يغازلها؟

إيلي كوهين يعود إلى الخرطوم في فبراير 2023 كوزير للخارجية، ويُستقبل كما لو كان صلاح الدين العائد من حطين، في حين تقف قوى وطنية ومعارضة مذهولة: أهذه الخرطوم التي كانت ترفع شعارات “اللاءات الثلاث”؟ أم نسخة مهترئة من دولة فقدت الذاكرة والبوصلة معًا؟

لكن مهلاً… لنغُص أعمق في سيرة ود الحلمان.

البرهان، الذي بدأ حياته السياسية في أحضان المؤتمر الوطني، ممثل الإخوان المسلمين في السودان، كان رئيسًا للحزب في محلية نيرتتي – معقل الخطاب التعبوي الذي طالما نبح باسم “الثوابت” و”العداء للغرب والصهاينة”. ثم فجأة، يفتح الباب لإسرائيل من أوسع مداخله، ويهدي مسؤوليها البنادق، ويوقّع معهم مذكرات تعاون أمني واقتصادي!

ولأن البرهان لا يكتفي بالتناقض، عاد ليصنع حلقته الأغبى: انقلب بعد أشهر باتجاه طهران، معانقًا خصم إسرائيل الأيديولوجي بحفاوة لا تقل حرارة. قُبل، وابتسامات، ومشاريع تعاون… وكأن ما جرى في تل أبيب لم يحدث. لا مواقف، لا مبادئ، فقط بحث عن الحب… في جيب أي أحد.

هذا ليس قائدًا يُجيد اللعب بين المحاور، بل شخصية مأزومة تعاني من عطش مزمن للاعتراف الخارجي، مستعد أن يدفع أي ثمن من كرامته، أو كرامة شعبه، مقابل صورة أمام الكاميرا أو وعد بلا مضمون.

في أقل من عام، انتقل ود الحلمان من “البندقية لكوهين”، إلى “العناق مع طهران”، ثم أرسل رسائل إيجابية لتل أبيب مجددًا، بعد أن شعر بخذلان الملالي. هكذا، في مشهد لا يكتبه حتى كتّاب الكوميديا السوداء، يتنقّل الجنرال من سلاح للإسرائيلي، إلى أحضان الفارسي، ثم يعود متوسلًا للرضا من جديد.

إنه ليس بائع مبادئ… إنه ببساطة بائعة هوى سياسية، ترتمي في حضن أي جهة تعده بالبقاء، حتى لو كان الثمن هو وجه السودان نفسه.

أما الإسلاميون؟ فإما أن يعترفوا بأن مشروعهم انهار عند أول بندقية تذكارية، أو يواصلوا التظاهر بالعفة بينما قائدهم يعلّق شرفهم السياسي على حائط الموساد، ويبحث عن فتوى في طهران لتبرير سقوطه!

حين يُقدّم البرهان بندقية لإسرائيل، لا كتحذير… بل كهدية.

وحين تُعلّق في مكتب تل أبيب، لا كغنيمة… بل كتذكار لحماقة رجل لم يرف يومًا ما يريد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!