من الحصار إلى الشرعية: قراءة في أخطر حوار سياسي لأحمد تقد لسان حول الدولة والسلطة ومستقبل السودان
التنوير تقرير الشبكة الإعلامية المدنية MCN

التنوير تقرير الشبكة الإعلامية المدنية MCN

في لحظة سياسية فارقة من تاريخ السودان، وفي وقت تتداخل فيه معارك الميدان مع معارك الشرعية والتمثيل والاعتراف، جاء الحوار الذي أجراه الخبير القانوني الأستاذ أحمد تقد لسان، القيادي البارز بحركة العدل والمساواة والمتحدث الرسمي باسم تحالف السودان التأسيسي، ليطرح رؤية سياسية متكاملة تتجاوز حدود التعليق على الأحداث اليومية إلى محاولة تفسير التحولات الكبرى التي تشهدها البلاد منذ اندلاع الحرب.
فالحوار لم يكن مجرد ردود على أسئلة صحفية حول مؤسسات مالية أو امتحانات دراسية أو ترتيبات إدارية، بل بدا أقرب إلى وثيقة سياسية متكاملة تعكس رؤية تحالف السودان التأسيسي لمستقبل السودان، وتقدم تفسيراً مختلفاً لطبيعة الصراع الدائر، ولمعنى الدولة، ولمصدر الشرعية، ولموقع الأقاليم في المعادلة الوطنية الجديدة.
الحرب التي هزّت أسس الدولة القديمة
طوال عقود مضت ظلت الدولة السودانية تُدار وفق نموذج سياسي يقوم على مركزية السلطة واحتكار القرار السياسي والاقتصادي والإداري داخل دائرة ضيقة. ورغم تعاقب الحكومات والأنظمة، بقي جوهر المعادلة ثابتاً، إذ ظل المركز هو المتحكم في الموارد والقرارات الكبرى بينما بقيت مساحات واسعة من السودان تعاني التهميش وضعف الخدمات وتراجع التنمية.
لكن الحرب الأخيرة جاءت لتضع هذا النموذج بأكمله أمام اختبار غير مسبوق. فمع اتساع رقعة الصراع وتعطل مؤسسات الدولة في أجزاء واسعة من البلاد، ظهرت حقيقة أن الأزمة السودانية أعمق من مجرد صراع على السلطة بين طرفين مسلحين، وأن ما يجري في جوهره هو أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة الدولة نفسها.
ومن هنا ينطلق أحمد تقد لسان في قراءته للمشهد، إذ يرى أن الحرب كشفت هشاشة النموذج القديم للدولة وأظهرت عجزه عن الاستجابة لمطالب ملايين السودانيين في الأقاليم المختلفة، الأمر الذي فتح الباب أمام البحث عن صيغ جديدة للإدارة والحكم والتمثيل السياسي.
عندما يتحول الحصار إلى مشروع إدارة وحكم
من أبرز الأفكار التي حملها الحوار أن المؤسسات الجديدة التي أنشأتها حكومة السلام الانتقالية لم تنشأ من فراغ، ولم تكن نتاج رغبة مسبقة في بناء دولة موازية، بل جاءت ـ بحسب رؤية التحالف ـ استجابة مباشرة لظروف استثنائية فرضتها الحرب وما صاحبها من حصار اقتصادي وخدمي وإداري.
فالتحالف يرى أن ملايين المواطنين وجدوا أنفسهم خارج نطاق الخدمات الأساسية، وأن استمرار هذا الواقع كان يعني تعميق الأزمة الإنسانية وتوسيع دائرة المعاناة. ولذلك برزت الحاجة إلى بناء مؤسسات قادرة على سد الفراغ الذي خلفه تعطل مؤسسات الدولة التقليدية.
ومن هذه الزاوية فإن القضية لم تعد تتعلق بالصراع السياسي التقليدي، بل بقدرة أي جهة على توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة للناس. وهنا تبرز فكرة الإدارة باعتبارها استجابة للواقع لا مشروعاً للانفصال، ومحاولة لإنقاذ الوظائف الأساسية للدولة التي تعطلت بفعل الحرب.
المؤسسات البديلة.. ضرورة فرضها الواقع أم ولادة شرعية جديدة؟
يطرح الحوار سؤالاً بالغ الأهمية يتعلق بالعلاقة بين المؤسسات والشرعية. فحين تنشأ مؤسسات جديدة لإدارة الاقتصاد والتعليم والخدمات والإغاثة، هل تكون مجرد تدابير مؤقتة فرضتها الحرب، أم أنها تمثل بداية تشكل واقع سياسي جديد؟
هذا السؤال لا يجيب عنه أحمد تقد لسان بصورة مباشرة، لكنه يضع إطاراً لفهمه حين يؤكد أن الهدف ليس إنشاء دولة منفصلة، وإنما إدارة واقع فرضته ظروف الحرب. ومع ذلك فإن التجارب التاريخية تشير إلى أن المؤسسات التي تنجح في تقديم الخدمات واكتساب ثقة المواطنين تتحول مع مرور الوقت إلى مصادر جديدة للشرعية السياسية.
ولهذا فإن النقاش حول المؤسسات الجديدة لا يتعلق فقط بوظيفتها الحالية، بل أيضاً بموقعها المحتمل في مستقبل السودان السياسي والإداري.
الاقتصاد في قلب المعركة: من يملك مفاتيح البقاء؟
ربما لا توجد قضية تعكس طبيعة التحولات الجارية أكثر من ملف المؤسسات المالية والنقدية. فالحروب الحديثة لا تُخاض بالسلاح فقط، بل تُخاض أيضاً عبر الاقتصاد والموارد وشبكات التمويل.
ومن هنا يدافع أحمد تقد لسان عن فكرة إنشاء مؤسسات مالية قادرة على إدارة النشاط الاقتصادي في مناطق حكومة السلام الانتقالية، باعتبارها ضرورة فرضتها ظروف الحرب وتعطل القنوات التقليدية للخدمات المصرفية.
لكن أهمية هذه الخطوة تتجاوز بعدها الاقتصادي المباشر. فالتاريخ يعلمنا أن السيطرة على أدوات الاقتصاد كانت دائماً جزءاً من معركة السلطة والشرعية. ولذلك فإن الصراع حول المؤسسات المالية ليس مجرد خلاف فني حول السياسات النقدية، بل هو في جوهره جزء من معركة أكبر تتعلق بمن يملك حق إدارة المجتمع وحماية مصالح المواطنين.
التعليم يرفض الاستسلام للحرب
في خضم الضجيج العسكري والسياسي كثيراً ما تتراجع القضايا المرتبطة بمستقبل الأجيال الجديدة إلى الهامش، لكن الحوار يعيد ملف التعليم إلى مركز الاهتمام باعتباره أحد أهم ميادين الصراع على المستقبل.
فآلاف الطلاب والطالبات وجدوا أنفسهم مهددين بفقدان حقهم في التعليم بسبب ظروف الحرب، الأمر الذي جعل استمرار العملية التعليمية قضية تتجاوز بعدها الإداري إلى بعد وطني وإنساني واسع.
ويؤكد أحمد تقد لسان أن التعليم ليس امتيازاً تمنحه السلطة أو تحجبه، بل حق أساسي يجب حمايته في كل الظروف. ولذلك فإن إقامة الامتحانات وفتح المسارات الأكاديمية أمام الطلاب تمثل، وفق هذه الرؤية، دفاعاً عن مستقبل السودان نفسه وليس مجرد إجراء إداري مؤقت.
إن الدول التي تنجح في حماية التعليم أثناء الحروب تكون أكثر قدرة على النهوض بعد انتهائها، لأن إعادة بناء الإنسان تظل دائماً أهم من إعادة بناء المباني.
الإغاثة الإنسانية وسقوط احتكار الوصول إلى المدنيين
منذ اندلاع الحرب أصبح الملف الإنساني واحداً من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية. فالملايين باتوا يعتمدون بصورة مباشرة على المساعدات الإنسانية، وأصبح الوصول إلى المدنيين المحتاجين تحدياً يومياً للمنظمات المحلية والدولية.
وفي هذا السياق يطرح الحوار رؤية تقوم على أن العمل الإنساني لا يمكن أن يظل رهينة للاعتبارات السياسية أو محتجزاً داخل قنوات محددة. فالقانون الدولي الإنساني يقوم على مبدأ الوصول إلى المدنيين أينما كانوا، وهو ما يجعل التنسيق مع السلطات الموجودة فعلياً على الأرض أمراً ضرورياً لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها.
وهنا تظهر الإغاثة الإنسانية ليس فقط كواجب أخلاقي وإنساني، بل أيضاً كجزء من معادلة الشرعية والإدارة في زمن الحرب.
من سلطة الأمر الواقع إلى واقع السلطة
إحدى أكثر الأفكار حضوراً في الحوار هي الإشارة إلى أن السودان يعيش اليوم واقعاً مختلفاً عن ذلك الذي كان قائماً قبل الحرب. فهناك سلطات ومؤسسات وإدارات نشأت على الأرض، وأصبحت جزءاً من الحياة اليومية لملايين المواطنين.
وهذا الواقع يفرض تحديات جديدة على أي عملية سياسية قادمة، لأن تجاهله أو محاولة القفز فوقه لن يؤدي إلا إلى تعقيد الأزمة أكثر.
ومن هنا يركز أحمد تقد لسان على ضرورة التعامل مع الوقائع القائمة بوصفها جزءاً من المشهد السوداني الجديد، لا باعتبارها مجرد ظواهر عابرة يمكن تجاوزها بقرارات سياسية أو دبلوماسية.
نيالا وبورتسودان.. صراع التمثيل لا صراع الجغرافيا
حين يتحدث أحمد تقد لسان عن الصراع بين نيالا وبورتسودان، فإنه لا يتحدث عن تنافس بين مدينتين أو مركزين إداريين، بل عن صراع بين رؤيتين مختلفتين لمستقبل السودان.
الرؤية الأولى تتمسك بالنموذج المركزي التقليدي الذي ظل يحكم البلاد لعقود طويلة، بينما تسعى الثانية إلى إعادة توزيع السلطة والنفوذ وبناء معادلة جديدة للعلاقة بين المركز والأقاليم.
ولهذا فإن جوهر الصراع لا يتعلق بالجغرافيا، بل بالتمثيل السياسي وبالسؤال المتعلق بمن يملك حق الحديث باسم السودان وتمثيله أمام العالم.
لماذا تراجع حلم الحسم العسكري؟
من الرسائل المهمة التي يمكن استخلاصها من الحوار أن الرهان على الحسم العسكري الكامل يبدو أقل واقعية مما كان عليه في السنوات الأولى للحرب. فبعد سنوات من القتال لم يتمكن أي طرف من إلغاء الآخر أو فرض سيطرته المطلقة على كامل البلاد.
بل إن استمرار الحرب أدى إلى إنتاج وقائع سياسية وإدارية جديدة جعلت من الصعب تصور العودة إلى ما قبل اندلاعها.
ولهذا يبرز الحديث عن الحلول السياسية والتسويات الشاملة باعتباره تعبيراً عن إدراك متزايد بأن مستقبل السودان لن يُصنع في ساحات القتال وحدها، وإنما على طاولات الحوار والتفاوض أيضاً.
التأسيس.. من إدارة الأزمة إلى إعادة بناء الدولة
في قلب الحوار تقف فكرة التأسيس بوصفها الفكرة المركزية التي تدور حولها رؤية التحالف لمستقبل السودان. فالمقصود ليس مجرد تأسيس حكومة جديدة أو مؤسسات بديلة، بل إعادة تأسيس الدولة نفسها على قواعد مختلفة.
دولة تقوم على الاعتراف بالتنوع، وتوزيع السلطة بصورة أكثر عدالة، وضمان مشاركة أوسع للأقاليم في صناعة القرار الوطني، وإنهاء الاختلالات التاريخية التي ظلت تغذي النزاعات والحروب.
وهذه الرؤية تمثل في جوهرها محاولة للانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها العميقة.
الشرعية الجديدة: من يحكم السودان ومن يمثل السودانيين؟
لعل السؤال الأكثر أهمية الذي يطرحه الحوار يتعلق بمفهوم الشرعية ذاته. فمنذ الاستقلال ارتبطت الشرعية في السودان بالمركز ومؤسساته التقليدية، لكن الحرب أعادت طرح السؤال بصورة مختلفة.
هل تأتي الشرعية من الاعتراف الدولي فقط؟ أم من القدرة على إدارة حياة الناس وتقديم الخدمات لهم؟ وهل يكفي امتلاك المؤسسات التقليدية لضمان الشرعية، أم أن الشرعية تتشكل أيضاً من خلال الواقع اليومي الذي يعيشه المواطنون؟
هذه الأسئلة لا يقدم الحوار إجابات نهائية عليها، لكنه يضعها في قلب النقاش السياسي السوداني، باعتبارها من أهم القضايا التي ستحدد شكل الدولة ومستقبل الحكم خلال السنوات المقبلة.
السودان بين نهاية حقبة وبداية تاريخ مختلف
في نهاية المطاف يبدو واضحاً أن السودان يقف أمام لحظة تاريخية استثنائية. فالحرب لم تعد مجرد صراع عسكري، بل تحولت إلى معركة حول شكل الدولة ومصدر الشرعية وطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع.
ومن هنا تأتي أهمية الحوار الذي أجراه أحمد تقد لسان، لأنه لا يكتفي بقراءة الأحداث الجارية، بل يحاول رسم ملامح المستقبل أيضاً. مستقبل قد يشهد إعادة تعريف الدولة السودانية ومؤسساتها وقواعد الحكم فيها بصورة تختلف جذرياً عما عرفه السودانيون خلال العقود الماضية.
وبغض النظر عن المواقف السياسية المختلفة تجاه هذه الرؤية، فإنها تعكس حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن السودان الذي سيخرج من هذه الحرب لن يكون هو السودان الذي دخلها، وأن البلاد تقف بالفعل على أعتاب مرحلة جديدة ستحدد ملامحها طبيعة التسويات التي ستأتي، وقدرة السودانيين على تحويل مآسي الحرب إلى فرصة لإعادة بناء دولتهم على أسس أكثر عدالة واستقراراً وشمولاً.




