رأي

تقديس الجيش.. من أين بدأ الانحراف؟

بقلم: منال علي محمود
البريد الإلكتروني: manal002002@gmail.com
ا

في كل دولة تحترم شعبها، يُعامل الجيش كمؤسسة خدمية لها وظيفة محددة: حماية الحدود وصيانة السيادة. ولكن في السودان، كما في تجارب أنظمة شمولية كثيرة، تم تحوير هذه الوظيفة إلى ما يشبه (العقيدة)، وصار الجيش (مقدسًا)، لا يُسأل، ولا يُحاسب، ولا يُنتقد. وهنا يبدأ الخلل.

في الدول الديمقراطية، احترام الجيش لا يعني السكوت عن أخطائه. لا أحد فوق القانون، لا المدني ولا العسكري. أما نحن، فقد اخترعنا مفردات تحوّل المؤسسة إلى كائن منزّه: (حامي الحمى)، (رمز السيادة)، (الدرع الواقي)… فهل السيادة تُختزل في أفراد؟ وهل الوطن بحاجة إلى وصي عليه؟

السيادة، بنص الدستور، للشعب، لا للمؤسسات، ولا للجنرالات.

مشروع سياسي بلباس عسكري

نشأة الجيش السوداني مرتبطة ارتباطًا عضويًا بمشروع الدولة المستعمَرة، لا المستقلة. وعندما نال السودان استقلاله، لم تُعَد هيكلة الجيش ليُعبّر عن تعدد البلاد، بل انتقلت السيطرة من المستعمر الإنجليزي إلى النخبة المركزية. هكذا بدأ احتكار القرار العسكري والإداري في يد مجموعة إثنية وجهوية واحدة، بينما ظل أبناء الغرب والشرق والنيل الأزرق مجرد وقود في الصفوف الدنيا.

لا يكفي أن نذكر وجود (فلان) أو (علان) من الضباط ذوي الأصول المهمشة في سلك الجيش. هذه مشاركات رمزية، تصلح للديكور لا للتأثير. فبعض القبائل لم تنجح في عبور رتب معينة، وكأن سقف تقدمها مرسوم سلفًا. بل صار التدرج نفسه محكومًا بخلفية اجتماعية، لا مؤهلات مهنية.

إن معيار القومية لا يُقاس بعدد الأفراد، بل بموقعهم في هرم القيادة، وكشوف التنقلات، والإعفاءات، والبعثات الخارجية. وإذا كان إقليم يمثل 40٪ من السكان ولا يملك سوى 3٪ من التمثيل في مراكز القرار، فهذه ليست قومية، بل تزوير.

من القومية إلى العشيرة

الجيش السوداني لم يعد مؤسسة قومية، بل تحوّل بفعل التمكين والانحياز الجهوي إلى كيان عشائري مغلق. تمر فيه التجاوزات مثل حاويات المخدرات، وتجارة الطلح، واستغلال مهابط الطيران، بلا مساءلة. كل شيء يُطوى بـ(فقه السترة). لا أحد يُحاسب، لأن لا أحد يملك سلطة السؤال.

حرص المستفيدون من هذا الوضع على تعطيل البرلمان، واستبداله بمجلس سيادة لا يملك رقابة فعلية، بل يُستخدم كغطاء دستوري للهروب من الرقابة الشعبية. لا قومية تتجلى في كشف الإحالات للمعاش، أو التنقلات، أو البعثات، أو حتى التدريب الخارجي. هناك قبائل كاملة لا يُسمح لأبنائها بتجاوز رتب محددة، بينما تُفتح الأبواب لغيرهم بلا سقف.

نريد أن نرى القومية في الالتزام بسن المعاش قبل الإقالة، ما لم تكن بأمر قضائي، لا بمزاج جهة عليا. نريد أن نرى القومية في كشوف التنقلات، وفي وضوح نظام المرتبات، وفي الوظائف الخارجية كملحقين عسكريين، وفي توزيع دورات التدريب والتأهيل. نريد جيشًا يُدار من بين الشعب، و من قلبه.

بل إن بعض المنتسبين للمؤسسة يعيشون في سباق غير معلن، من يملك عدد زوجات أكبر؟ من يبني طوابق أكثر؟ من يشتري العقار الأغلى؟ في وقت تُدفع فيه رواتب ضخمة، من خزينة الدولة، لمن يُفترض أنه يضع حياته رهن حماية البلد، لا لبناء إمبراطورية داخلية.

الجيش القومي ليس شعارًا

مصطلح (الجيش القومي) ليس ترفًا لغويًا، بل بنية إدارية حقيقية. القومية تعني أن يكون رئيس الأركان من الغرب، ونائبه من الشرق، وقائد سلاح المدرعات من كردفان، ومدير الاستخبارات من النيل الأزرق. لا تُبنى القومية عبر بيانات العلاقات العامة، بل عبر عدالة التمثيل، ونزاهة التدرج، ووضوح الانضباط المهني، لا العرقي.

وما لم تتحقق هذه البنية، فإن أي حديث عن (الوطنية) هو عبث. والحديث عن جيش موحد لا يكتمل دون مؤشرات واضحة داخل كشوفات الخدمة، والتعيين، والإعفاء، والإيفاد الخارجي. فهل يمكن لدولة أن تبني وحدة وطنية وجيشها يتعامل بمنطق التوريث القبلي؟

لا أحد فوق القسم

في الدولة الإسلامية الأولى، لم يكن جيش الرسول صلى الله عليه وسلم سلطة فوق الناس، بل كان امتدادًا لهم. القادة كانوا يُحاسبون ويُعزلون. لم تكن هناك بدلة تُحصّن من النقد، ولا رتبة تُقدّس. أما نحن، فحوّلنا الجيش إلى طبقة فوق المجتمع. الرتبة تحولت إلى سلطة، والقسم إلى ديكور، والبندقية إلى تفويض يتجاوز الشعب.

ما نحتاجه اليوم ليس جيشًا جديدًا، بل مفهومًا جديدًا للجيش. جيش يبر قسمه.
جيش لا يكون على رأسه حزب أو اثنان.
جيش لا يتاجر على الحدود، ولا يتواطأ في التهريب.
جيش لا يبيع ثروات البلاد، ولا يشارك في سرقة المصارف، ولا يغطي على القتلة.
جيش لا تُكتب له تقاعدات بمزاج الأفراد.
ولا تمتد كروش منتسبيه في سباق مع عدد الزوجات وعدد طوابق المنازل.

السيادة لا تتجزأ

الجيش الذي نريد، لا يتلقى توجيهاته من سفارات، ولا ينسق انقلابه في غرف مغلقة. نريد جيشًا يعمل تحت مظلة الدستور، وتحت عين الشعب، لا فوقه. نريد مؤسسة تُحاسب كما تُكافأ، وتخضع للرقابة كما تطلب الاحترام.

إن تقديس الجيش هو بوابة الانحراف الأولى.
فالخطر لا يبدأ حين ينهار الجيش، بل حين يُصبح فوق الدولة، وفوق الناس، وفوق القانون.

السيادة لا تتجزأ. والسيادة، يا سادة، للشعب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!